"خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ".
والسماوات القائمة بغير عمد [أو بغير عمد مرئية] والجبال القائمة في الأرض، والحياة المبثوثة في أرجائها، والماء النازل من السماء يخرج به الزرع .. كل هذه مرئيات مشاهدة يراها الناس كل يوم فتتبلد حواسهم عليها، ولا يعودون يرون معناها ودلالتها، ولا ينفعل وجدانهم بوجودها. وإنها كلها لعجائب لو لم نكن نراها كل يوم لشدهت حسّنا وأيقظتنا! بل لو كانت في كوكب آخر نراه لأول مرة لهزت وجداننا هزًا ولو كانت مثل ما تبلدت حواسنا عليه في كوكبنا الأرضي!
أرأيت إلى رحلات الفضاء كم هزت وجدان الناس؟! أرأيت حين هبط الرواد على القمر ورأوا أرضًا كأرضنا!! كم هز وجدانهم -ووجدان الناس- أول خطوة خطوها على أرض القمر؟!! وإنهم ليخطون مئات الخطوات وألوفها كل يوم على أرضهم فلا تهز من وجدانهم ولا وجدان الناس شيئًا على الإطلاق!
ولو أن وحدًا من سكان الكواكب -إن كان هناك من يسكنها- هبط مرة على الأرض .. كم تروعه وتذهله؟ كم تَشْدَه حسّه؟ كم يرى فيها من غرائب وعجائب يذهل لها فكره ويتحرك لها وجدانه؟ ولكننا نحن نمر عليها كأننا لا نراها .. لا لأنها لا تستحق العجب، ولا تثير الوجدان، وإنما لأننا تعودنا رؤيتها فتبلد حسّنا عليها!
والقرآن يأتي إلى هذه الأشياء المألوفة، التي تبلد حسّنا من ناحيتها لشدة إلفنا لها، فيزيل عنها إلفها .. أو يزيل عنا بلادتنا نحوها .. ويردها جديدة كأنما نراها اللحظة .. كأننا هبطنا هذا الكوكب لأول مرة .. ومن ثم تعطي للحسّ شحنتها الكاملة التي تعطيها له وهي جديدة لم تؤلف بعد .. وحين ينفعل الحس بها يقول له: إنها خلق الله!
".. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ".
وهنا مشابه من سورة الرعد في إقامة السماوات بغير عمد مرئية وإقامة الجبال الرواسي في الأرض .. ولكن صورة التعبير مختلفة [1] . وهنا أضاف بالنسبة للرواسي"أن تميد بكم". وهذا أمر لا بد أن المخاطبين الأوائل بهذا القرآن قد فهموه بصورة ما .. ولكن معلومات الإنسان المتزايدة عن الكون قد حددت المعنى الدقيق لهذه العبارة، إذ أثبتت أن هذه الجبال الشامخة هي التي تحفظ التوازن في الكرة الأرضية، وأنه لولا هذا التوازن لمادت الأرض من الزلازل أو البراكين ..
"وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ..".
والتعبير يوحي كأنما يد خفية هي التي تمسك بهذه الدواب فتبثها هنا وهناك في كل مكان على الأرض .. وأنه لكذلك بالفعل! فمن ذا الذي يبث هذه الدواب كلها في أماكنها إلا الله؟! إنها تبدو للذين لا يعلمون كأنها تنبعث من ذات نفسها في أرجاء الأرض .. أو يقول أولئك الجاهلون إنها"الطبيعة"!
وما الطبيعة؟ ّ! تلك التي يقول عنها دارون إنها تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها؟
أشيء هي غير الله وقدرة الله؟!
"وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ".
(1) انظر الفصل التالي.