وكل من كفر -لأي سبب من الأسباب- فهو"بغير علم"! ولو كان عالمًا!"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [1] "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ..." [2] .
ليست المسألة هي"المعلومات"التي يعلمها. ولو كانت متعلقة بالله سبحانه وتعالى .. ولو كانت"نظريًا"صحيحة! إنما هي سلوكه العملي بهذه المعلومات! فهذا الذي"آتيناه آياتنا"قد عرف حقيقة الألوهية بمقتضى علمه هذا فترة من عمره ثم انسلخ منها .. تجرد منها وعمل بغير مقتضاها .. فكيف صار"علمه"السابق؟! فأما"المعلومات"فقد بقيت كما هي في ذهنه لم تتغير .. وأما المشاعر والسلوك فقد مضت في طريق آخر .. ومن ثم أصبح"بغير علم". وهذا الآخر الذي اتخد إلهه هواه .. إنه لم يكن يجهل حقيقة الألوهية فقد كان"على علم"بها .. ولكنه على علمه هذا أبى أن يسير في الطريق الذي رسمه الله، واتخذ إلهه هواه .. أي أنه صار يتبع هوى نفسه ويطيعه بدلًا من الله .. ومن ثم أصبح كذلك"بغير علم"!
فيستوي إذن -حين لا يتبع الإنسان ما أنزل الله- أن تكون"معلوماته"عن الله صحيحه أو غير صحيحة. إنه في الحالين من"الذين لا يعلمون". ثم قد تكون بعد ذلك ضالًا في نفسه فحسب، أو يكون ضالًا مضلًا كهذا الذي تتحدث عنه الآية:"ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا".
"أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ".
وترسم الآية التالية صورة لهذا الإنسان في ضلاله وإضلاله، تشخِّصه بجميع حركاته، وتصور حركات نفسه وحركات جسده سواء:
"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ..".
وإنك لتقرأ الآية فتتمثل صورة هذا الشخص يسمع آيات القرآن تتلى فيقوم شامخًا بأنفه مستكبرًا، يملأ الحقد قلبه من الداخل ولكنه يتظاهر بالعظمة التي لا تطيق أن تستمع لمثل هذا القول .. ثم يتولى بكبريائه الزائفة هذه متظاهرًا بأنه لم يسمع -وقد خرق الكلام أذنيه"كأن في أذنيه وقرا"ولا وقر في الحقيقة ولكنه التعاظم الكاذب والكبر على الله.
"فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ".
والتبشير أصلًا هو ما اقترب حتى لامس البشرة، فيستوي -في الأصل اللغوي- أن يكون حسنًا أو سيئًا. ولكن العرف اللغوي جرى باستخدام البشرى والتبشير للشيء الطيب. فالسياق يستخدمها هنا للسخرية بهذا المستكبر المنتفخ الأوداج حتى يذوق العذاب المذل الذي يذهب عنه كبرياءه الزائفة ويحطمها .. وإن كان التعبير -مع ذلك- لا يفارق الأصل اللغوي!
وفي مقابل صورة الفكر التي تنتهي إلى العذاب الأليم تجيء صورة الإيمان التي تؤدي إلى النعيم المقيم:
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
إنه وعد حق ممن يملك التنفيذ .."الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".. الذي خلق كل شيء ولم يشاركه أحد في الخلق:
(1) سورة الأعراف: 175 - 176.
(2) سورة الجاثية: 23.