هدى لأنه يهديهم إلى الحق -سبحانه- وإلى طريق الحق. ورحمة لأنه -إذ يهديهم الطريق -ينقذهم من الهلاك في نار جهنم .. وأي رحمة أكبر من الوقاية من ذلك العذاب؟ وذلك فوق أنه رحمة في الحياة الدنيا لأنه يعرض للناس المنهج الصحيح الذي تصلح به حياتهم على الأرض وتستقيم. ولكنه -وهو رحمة في الحقيقة للناس كافة- لا يظل بظله الرحيم إلا المحسنين:
"الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ".
وهذه بذاتها هي صفات"المؤمنين"ولكنه هنا يسميهم"المحسنين"إشارة إلى أن"الإحسان"في القول والعمل هو حقيقة الإيمان [1] . ولا بد للإيمان -الذي يوصف هنا بالإحسان- من واقع عملي، وسلوك واقعي، فهو ليس كلمة تقال باللسان، ولكنه حقيقة في الوجدان وحقيقة موازية في العيان. فهؤلاء المحسنون هم الذين يقيمون الصلاة فيَصِلون قلوبهم بالله، ويؤتون الزكاة، فيؤتون حق الفقير الذي أمرهم به الله، ويوقنون بالآخرة يقينًا فينبني على هذا اليقين أنهم"يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب"كما وصفتهم سورة الرعد [2] .
"أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
أفلحوا في الدنيا باتباع المنهج الحق، الذي يطهر القلوب ويطهر السلوك، ويرفع الإنسان فوق الدنس الذي تعيش فيه الجاهلية كالمستنقع الآسن، ومع ذلك لا يحسون بالنتن الذي يعيشون فيه ..
وأفلحوا في الآخر الفلاح الأكبر، حين تتهاوى أجسام الكافرين في جهنم تلتهمها النار، وينجون هم بأجسامهم وأرواحهم من العذاب، تتلقاهم الملائكة بالترحيب، ويرفلون في جنات النعيم.
وفي مقابل هذه الصورة الوضيئة توجد صورة أخرى ضالة مظلمة كريهة:
"وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا".
ونقف وقفة عند"يشتري"..
إنه ليس من الضروري أن يكون الشراء بالمال .. فليس المال هو الشيء الوحيد في الحياة ..
إنه شراء تدفع فيه المشاعر والأفكار والاهتمامات والنوايا بدلًا من المال! فهذه كلها أشياء"تنفق"ليشترى بها الحق أو يشترى بها الباطل .. فضلًا على كون الإنسان يعمل في الدنيا"فيشتري"بعمله نصيبه في الآخرة .. في الجنة أو الجحيم!
فهذا الذي"يشتري"لهو الحديث، يشتريه بانصراف مشاعره واهتماماته إليه، وبنيته الخبيثة أن يفتن الناس عن الوحي المنزل من عند الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويقول لهم إنه هو الآخر قد أوحى إليه، ويقض عليهم ما"اشتراه"من لهو الحديث! [3] .
"لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا".
(1) جاء الإسلام والإيمان والإحسان في حديث"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"على أنها درجات متوالية أعلاها الإحسان .. وهذه الألفاظ الثلاثة تجيء في القرآن أحيانًا بمعنى واحد وتجيء أحيانًا على أنها درجات متفاضلة.
(2) سورة الرعد: 21.
(3) نزلت هذه الآيات في النضر بن الحارث.