إنه جو حزين بلا شك! ولكن .. ألا تحس أنه هو ذاته جو"الموعظة"التي وعظ بها لقمان ابنه؟!
اقرأ الموعظة مرة أخرى .. ثم عد إلى هذه الآية .. هل تحس التناسق بين جوّ هذه وتلك؟
ثم اختار الولد والوالد في وصف الهول الهائل يوم الحساب:"لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا"ألا تحس فيه تنسيقًا مع جو السورة الذي جاء فيه لقمان وهو يعظ ابنه من ناحية، وتوصية الإنسان بوالديه من ناحية أخرى؟!
وهل تظن أن ذلك التنسيق يأتي بغير قصد؟
ثم هذه الآية الأخيرة:
"إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ".
إنها تذكر اختصاص الله بعلم الغيب ..
ألا ترى فيها تناسقًا مع ما جاء في السورة من قبل:"يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ".. كأنما هو نسيج واحد يشمل السورة من البدء إلى الختام؟
ثم الآية في ذاتها .. كم تهز النفس؟
إن هذا الحشد من"تفصيلات"علم الله للغيب الذي تختم به السورة لمؤثر في ذاته، وخاصة في جو الآية السابقة التي تتحدث عن هول ذلك اليوم الرهيب .. ولكنه وهو يتحدث عن علم الساعة، وتنزيل الغيث، وعلم ما في الأرحام، قد يمر عاديًا على النفس، يثير فيها التأمل في علم الله الشامل الدقيق فحسب .. حتى إذا جاء إلى قوله تعالى:"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ"ارتجت كل نفس .. ولم تستطع نفس أن تنجو من التأثير ..
"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ"نفس على إطلاقها .. وكل نفس هي داخلة في هذه النفس التي تتحدث عنها الآية .. وينظر الإنسان حوله: هل تدري نفس ماذا تكسب غدا؟ هل تدري نفس بأي أرض تموت؟!
كلا! وما أشوق كل نفس أن تدري ماذا تكسب غدًا .. وما أشوق كل نفس أن تدري بأي أرض تموت ..
ولكنه الغيب المغلف بالأستار .. الذي تتعلق به القلوب في أعماقها .. وترتج له كلما ذكر الغد المجهول .. وكلما ذكر الموت، المجهول الساعة، المجهول المكان .. والذي يعرفه الله وحده .."إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"..
وفي جو الموعظة .. وفي هذا اللحن المؤثر العميق التأثير .. تختم السورة التي يعظ فيها لقمان ابنه .. ويعظ الله فيها كل البشرية!