وإن هذه الآية وأمثالها في السور المكية الأخرى [1] لتلقي على الدعاة بصفة خاصة درسًا عميقًا لا بد لهم من الالتفات إليه.
إن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، المكلف الأول بالدعوة، والمؤيد بالوحي، لا يُعْطى -في العهد المكي، عهد بناء العقيدة وترسيخها- وعدًا بأن يرى هو بشخصه تمكن العقيدة في الأرض والقضاء على الكافرين! إنما يؤمر بالبلاغ فقط! ولا شأن له بالنتائج! ولا ضمانة له أن يرى النتائج في عمره البشري المحدود على الأرض!
فما بال الدعاة إذن؟! أيحق لأحد أن يقول: إما أن أرى النتيجة المرتقبة في حياتي وإما فلا دعوة ولا جهاد؟!
كلا! إن عمر الدعوات لا يقاس بعمر الأفراد. وما ينبغي لفرد أن يشترط على الله أن يريه نتائج جهاده في الحياة الدنيا! فليس أحد من الخلق أكرم على الله من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي يقال له:"وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ ..."! إنما ينبغي على الدعاة أن يعملوا لا يرجون شيئًا إلا أجر الآخرة .. فأما إن جاء النصر من عند الله وهم أحياء، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .. ولكنه ليس شرطًا مسبقًا للجهاد في سبيل الله!
ولكن النتيجة مؤكدة في جميع الحالات، سواء شهدها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عمره المحدود أم لم يشهدها:
"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا".
أو لم يروا أناديل الدول ونزيل سلطان ذوي السلطان؟
"وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ".
فإذا حكم على قوم بالدمار لتكذيبهم بالحق فلا معقب لحكمه:"وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ".
"وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ".
وذكر الحساب السريع يأتي أحيانًا إشارة إلى الجزاء السريع في الحياة الدنيا، كما يأتي أحيانًا أخرى إشارة إلى جزاء الآخرة. وكلاهما سريع بالقياس إلى الله سبحانه وتعالى، وإن اختلف القياس بالنسبة للبشر في الجولة السريعة. أما في الجولة الآخرة فالبشر أنفسهم يحسون أنه سريع!"قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ" [2] "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ" [3] .
فالحساب السريع إذن يستوي فيه في النهاية أن يكون هنا في الدنيا أو هناك في الآخرة!
"وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ".
إن هذا يرد في"التلخيص"لتلخيص ما يقوله الكفار من تكذيب بالرسالة وتكذيب بالبعث وإلحاح في طلب الآية وتعليق الإيمان عليها. والسياق يختصره في كلمة واحدة"مكر"لأننا بصدد تلخيص القضية! ثم يقول إن الذين من قبلهم قد مكروا كمكرهم هذا.
"فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا".
إن كانوا يظنون أنهم بمكرهم يعجزون الله سبحانه وتعالى، فالتدبير كله لله. التدبير المحكم الذي لا يقف أمامه ذلك المكر"الصغير"الذي يمكره الكفار ..
والمكر في اللغة هو التدبير .. ولكنها تطلق -في حسّنا- عادة على المكر السيئ، ومن باب"المشاكلة اللفظية"يأتي وصف تدبير الله بأنه مكر:"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" [4] وإن كان لا يخالف المعنى اللغوي الأصيل.
"يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ".
ويحصى على كل نفس ما تكسب، فيجازيها به. فليس العلم لمجرد التسجيل، إنما للجزاء أيضًا.
"وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ".
(1) راجع سورة غافر: 78، وسورة الحجر: 97 - 99.
(2) سورة المؤمنون: 112 - 113.
(3) سورة الروم: 55.
(4) سورة الأنفال: 30.