"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً".
فلا غرابة إذن في أن يكون للرسول -صلى الله عليه وسلم- أزواج وذرية! ولا موضع للاعتراض على ذلك، ولا لرفض الإيمان بهذا السبب! إنما هي مماحكة فارغة من الكفار يبررون بها موقفهم. ومما يلفت النظر أن السياق لم يُعْنَ حتى بإيراد الاعتراض ذاته، إنما أشعر بالرد عليه أنه وارد في"ملف القضية"فحسب! وذلك منتهى الإهمال لاعتراضهم والإشعار بأنه لا يستحق حتى مجرد الذكر!
"وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ".
وهذه هي المرة الثالثة التي يرد فيها ذكر الآية ذكرًا صريحًا في السورة، بخلاف الإشارة الرابعة الضمنية في قوله تعالى:"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى .."وفي ذلك دلالة على شدة إلحاح الكفار في طلب الآية وشدة اهتمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين بهذا الأمر.
ولكن السياق هنا يرد ردًا مباشرًا على الاعتراض، لأنه بصدد إصدار الأحكام الأخيرة في الأمور كلها.
في المرة الأولى جاء قوله تعالى:"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ".
وفي المرة الثانية جاء قوله تعالى:"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ".
وفي كلا القولين تعليم وبيان. أما هنا فرد مباشر يحسم الأمر:"وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ"فلا قيمة إذن لطلب الآية من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لأنه لا يملك ذلك ولو أراد .. إنه ليس"جهة اختصاص"في هذا الشأن!
"لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ".
ولقد قال بعض المفسرين إن الحديث هنا عن اللوح المحفوظ الذي فيه"سجلات"الخلق كلهم، وما سجل لهم من رزق وعمر في الحياة الدنيا، وما سجل لهم من نهاية في الآخرة، أهم من الذين شقوا أم من الذين سعدوا ..
وبهذه الصورة يكون مفاجأة تامة في السياق ليس لها صلة بما قبلها. إنما الأرجح عندي -والله أعلم- أنه استمرار للحديث عن الآية التي يطلبها الكفار، وإشارة إلى ما كان ينزل على الرسل السابقين من آيات، فقد جاء في سورة القصص:"فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى" [1] وجاء في سورة الأنبياء:"بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ" [2] .
فالسياق يرد عليهم بأن كل عهد له كتابه وله معجزاته. وقد انتهى عهد المعجزات الحسية التي كانت تنزل على الرسل السابقين، وجاء أوان هذه المعجزة المعنوية التي اختارها الله سبحانه وتعالى لرسوله الأخير خاتم الأنبياء -صلى الله عليه وسلم-. والله سبحانه وتعالى ينسخ ما يشاء من الرسالات والآيات ويثبت ما يشاء. وعنده أم الكتاب؛ الأصل الذي ينزل الله منه ما يشاء حين يشاء ..
"وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ".
وقد تكرر ذكر هذا المعنى في السور المكية .. مما يرجح كذلك أن هذه السورة أيضًا مكية ..
(1) سورة القصص: 48.
(2) سورة الأنبياء: 5.