والآية الثانية كذلك قد تكون مدنية لأن القرآن فيها يسمى"حكمًا"عربيًا مما قد يشير إلى احتوائه على"أحكام"والأحكام أو التشريعات نزلت في المدينة. ولكن السور المكية جاء فيها:"وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ" [1] كما وصف القرآن ذاته بأنه"حكيم"وهو ذات المعنى الذي تتضمنه كلمة"حكم":"إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ" [2] فيكون المقصود بقوله تعالى"حكمًا عربيًا"أي حكمة منزلة باللسان العربي.
والآية فيها تنديد شديد للرسول -صلى الله عليه وسلم- يصل إلى حد التحذير بل النذير:"وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ".
وما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- متبعًا هوى أحد منهم، وإن رغب أشد الرغبة في أن يؤمنوا ويتبعوا ما أنزل الله. إنما الإنذار في الحقيقة للمؤمنين، أن تميل قلوبهم إليهم بسبب صلة القربى أو أية مصلحة من مصالح الأرض كما قال لهم في سورة التوبة:"قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [3] .
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَاتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ، وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ".
هذه هي الآيات الأخيرة في السورة ولها جو خاص ونغم خاص كذلك.
إنها"تلخص"موضوع السورة كلها، بعد أن عرض تفصيلًا من قبل!
تلخص القضايا المثارة من جانب الكفار، ثم ترد عليها ردًا سريعًا حاسمًا، لا يفتح مجالًا للجدل والمناقشة، فقد انتهى زمن المناقشة من قبل!
إنها أشبه شيء بقاضٍ يقضي في قضية شرحت تفصيلاتها، وذكرت فيها الأقوال المطولة من قبل، وآن أوان تلخيص موضوع القضية لإصدار الحكم الأخير .. بل لقد وردت في هذا"التلخيص"الأخير جزئية لم تذكر من قبل، وهي اعتراض الكقار على أن يكون للرسول -صلى الله عليه وسلم- أزواج وذرية .. وكأنما هذا الاعتراض لم يستاهل أن يذكر مع"القضايا الرئيسية"التي هي إنكار الوحي والرسالة، وإنكار البعث، وطلبهم للآية .. ولا أن يناقش تفصيلًا، فجاء ذكره في"الملخص"الأخير فحسب!
(1) سورة الشورى: 10.
(2) سورة الزخرف: 3 - 4.
(3) سورة التوبة: 23 - 24.