أم هي مجرد أسماء لا رصيد لها من الواقع؟"إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ" [1] .
أم ماذا؟! كلا! إن الأمر -في حقيقته- ليس ذلك كله:
"بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ".
تلك هي الحقيقة الكامنة وراء تصرفهم الضال كله، وتصورهم المنحرف كله .. لقد زين الشيطان لهم مكرهم! ومكرهم هنا هو كفرهم .. هو انصرافهم عن الهدى وإصرارهم على التكذيب، وعلى الالتفاف حول أولئك الشركاء المزعومين. ولقد زين الشيطان لهم ذلك وصدهم عن سبيل الهدى. وكأن السياق يصورهم قد دعوا إلى الإيمان فالتفتوا يستمعون إلى الداعي، فجاء الشيطان"فصدهم"وأبعدهم وسار بهم في الطريق الآخر .. وإذا فعلوا ذلك فقد أضلهم الله فما عادوا يهتدون أبدًا.
"وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ".
ثم يبين ما سوف يصيبهم في الدنيا والآخرة، تهديدًا واقعًا بهم هنا وهناك:
"لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ".
وانطق كلمة"أشق"وخاصة إذا وقفت على آخرها بالسكون، مع القلقلة التي تشبه التشديد:"أشَق". إنها لفظة معبرة، مصورة للمشقة حتى في نطقها .. وذلك من الإعجاز!
وإذ تحدث عن مصير الكفار فهو يبين -للمقارنة- مصير المؤمنين:
"مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ".
وما أبعد الفرق بين العذاب الأشق، وبين الظل الظليل والأكل الدائم في الجنة التي تجري من تحتها الأنهار.
"وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ، وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ".
والآية الأولى قد تكون مدنية، إذ أنها تتحدث عن أهل الكتاب، ومع ذلك فهي ذاتها مما يرجح عندي أن تكون مكية. لأن أهل الكتاب لم يعودوا يفرحون بما أنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أن انتقل المسلمون إلى المدينة وقامت الدولة الإسلامية! جاء في سورة البقرة:"وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" [2] وجاء في سورة النساء:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا" [3] إلا أن يكون المقصود هو المؤمنين من أهل الكتاب، الذين آمنوا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وهم قلة قليلة، والبياقون هم"الأحزاب"التي تنكر بعضه. وعلى أي حال فهنا إعلان آخر للمفاصلة بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين المكذبين من كل نوع، يزيد على المفاصلة الأولى أنه يتحدث عن الدعوة إلى الله:"إليه أدعو ..".
(1) سورة النجم: 23.
(2) سورة البقرة: 89.
(3) سورة النساء: 51.