الصفحة 131 من 379

ولكن هذه الصورة: صورة الباطل المنتفش المستعلي الجياش ليست هي الصورة الأخيرة!

"ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ".

إن الزبد يذهب جفاء! سواء زبد السيل أو زبد المعادن النفسية .. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. ويأخذ الله الكفار بعذاب أليم:"وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ" [1] .

فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يلقى الإيذاء والاستهزاء من الكافرين اليوم، فسيؤخذ هؤلاء الكفار بالعقاب الأليم كما فعل بغيرهم من قبل .. ولن يمضوا في طغيانهم بغير عقاب ..

ثم عود إلى مناقشة الكفار:

"أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ".

مناقشة شبيهة بالمناقشة التي مرت من قبل:"قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ".

شبيهة بها في أنها لا ترد للمناقشة الحقيقية ولكن للتبكيت والسخرية بمفهوماتهم الضالة القائمة على غير أساس. ولكنها هنا تختلف عن السابقة في أنها تبين السبب في أقوالهم الضالة التي يقولونها، وتصوراتهم المنحرفة التي يتصورونها، ثم تزيد على ذلك بيان نهايتهم في الآخرة.

"أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ".

قائم على كل نفس بما كسبت، أي مسجل عليها أعمالها، ورقيب عليها، ومحاسب إياها بما كسبت. وللكلام تتمة مقدورة، كأنه يقول: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت مثل أولئك الشركاء الذين لا يعلمون شيئًا ولا يملكون حسابًا؟

"وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ".

وهو تحدٍ لهم أن يسمّوا أولئك الشركاء .. ولكن المقصود ليس التسمية اللفظية .. وإلا فقد كان لأولئك الشركاء أسماء! كان منها اللات والعزى ومناة:"أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى" [2] وكان منها الجن، وكان منها الملائكة، إلى غيرها من المعبودات التي يزعم أولئك المشركون أنها تشفع لهم عند الله أو تقربهم عنده زلفى!

فليس المقصود إذن هو التسمية اللفظية .. إنما هو يتحداهم أن يسموا أحدًا من هؤلاء أو من غيرهم له ألوهية حقيقية! قائم بذاته [قيوم] أو خالق أو رازق أو محي أو مميت أو مدبر لشئون الكون! أو قائم على كل نفس بما كسبت!

"أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ".

وتلك قمة السخرية بهم! فهو يقول لهم إن الله يعلم أنه لا شركاء له سبحانه في ملكه .. فهل هم يعلمون أكثر مما يعلم؟! وهم لم يكونوا زيعمون أنهم يعلمون أكثر مما يعلم الله! ومع ذلك فسلوكهم العملي المنحرف كأنه يقول ذلك، إذ يصرون على كون هؤلاء شركاء لله، بينما الله سبحانه -"صاحب الشأن"- يقول إنه ليس له شريك!

"أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ"؟

(1) سورة هود: 102.

(2) سورة النجم: 19 - 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت