الصفحة 130 من 379

إن هذا القرآن لا يصنع خوارق حسية كتسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى ولكن الخارقة المعنوية التي يصنعها هي كتسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى، بل هي أعظم وأخطر! إنه يصنع الإيمان في القلوب! والإيمان -وهو قوة معنوية- أعظم خطرًا من القوى الحسية، ثم إنه -بما يولده في قلوب البشر من طاقة- ينتج آثار حسية في الأرض تشبه تسيير الجبال!

وتلك المعاني كلها تحملها ألفاظ معدودة محدودة يفهمها جيدًا أولئك المخاطبون الأوائل بهذا القرآن، فقد كانوا يعرفون أسرار لغتهم .. ويعرفون كذلك مدى الإعجاز في تلك الكلمات!

"بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا".

هو الذي يختار نوع المعجزة التي ينزلها على رسوله، إن كانت حسية أو معنوية. وليس للبشر جميعًا -بما فيهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يقترح على الله صورة معينة للمعجزة .. والله -سبحانه- أعلم بما يريد."وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ" [1] .

"أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا".

لقد كان المؤمنون ما يزالون يطمعون في أن يؤمن الكفار، ويتمنون أن ينزّل الله آية تقطع حجة المكذبين. ولكن الله يقول لهم إن الله لم يرد لهم الهدى، لأنهم أصموا آذانهم عن الحق. فليست المسألة أن تنزّل الآية أو لا تنزل .. ولو نزلت الآية لبقوا كذلك على كفرهم:"وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ" [2] ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا، فخلقهم -كالملائكة- كلهم مؤمنين. ولكن مشيئته قد اقتضت -سبحانه- أن يجعل الإنسان مختارًا لطريقه:"وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" [3] وترتب على ذلك أن يختار فريق طريق الهدى، ويختار فريق آخر طريق الضلال .. وهؤلاء قد اختاروا فريق الضلال.

"وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ".

وهذه الآية بالذات يمكن أن تكون مدنية .. وكثيرًا ما تأتي آيات مدنية في سور مكية .. وسواء كانت مدنية أو مكية ففيها تهديد للكفار بأنهم سيلاقون مصائب تحل بهم أو قريبة منهم حتى نأتي الهزيمة الساحقة الأخيرة التي نقضي عليهم.

ثم يتوجه بالحديث إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مواسيًا له عن تكذيب المكذبين. إن هذا أمرًا تعرض له الرسل من قبل. وفي كل مرة كان يحدث شيء معين -هو الذي يحدث الآن مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- لحكمة يريدها الله، وهي أنه يملى للكافرين فترة!

"وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ".

إن الإملاء للكفار لا بد أن يحدث! وبالتالي فإن الامتحان للمؤمنين لا بد أن يحدث! وفي فترة الإملاء يكون الباطل منتفشًا جياشًا، وظاهرًا على السطح، كالزبد الذي يعلو السبل، وكالزبد الذي يعلو الذهب والفضة حين يفتنان في النار! وفي تلك الفترة يتم امتحان المؤمنين و"فتنتهم"بما يشبه النار!"أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" [4] .

(1) (\) سورة النحل: 101.

(2) سورة الأنعام: 111.

(3) سورة البلد: 10.

(4) سورة العنكبوت: 2 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت