الصفحة 129 من 379

إن نغمة الحديث قد تغيرت هنا بعد البيان الطويل والعرض والتفصيل، وبعد الإنذارات الموجهة للكفار باللعنة وسوء الدار. إنها تعلن المفاصلة بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين الكفار:"قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ"كما قال من قبل:"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ".

وللمفاصلة التي تعلن نفض الأيدي من الكفار لإصرارهم على كفرهم نغمة متميزة حيثما أتت في سياق القرآن، لا هي بالحادة كلهجة التهديد، ولا هي بالهادئة تمامًا كلهجة التقرير:

"وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ" [1] .

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" [2] .

وهنا كذلك يقول لهم:"قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ".

ويستوقفنا أمر الله سبحانه وتعالى إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يقول:"عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ"! فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: إلى الله متابي، فكيف ينبغي أن يصنع البشر العاديون الذين لم يرتفعوا إلى مستوى الأنبياء فضلًا عن خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام؟!

ثم يعود إليهم، مشيرًا إلى طلبهم الآية، ومشيرًا إلى أن القرآن هو آية الرسول العظمى، عليه الصلاة والسلام، ولكن غفلتهم هي التي تعميهم عن ذلك فيصرون على طلب الخارقة الحسية .. ولكن الحديث ليس موجهًا في هذه المرة إليهم، إنما هو موجه إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين الذين ما زالوا يطمعون في إيمان الكفار، ويتمنون أن لو نزلت آية فتشجع أولئك الكفار على الإيمان أو تقنعهم بالحق ..

"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ..."؟!

والكلام له تكملة مقدرة لم يذكرها النص، كأنه قال: لو أن قرآنا كان يمكن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يكلم به الموتى لكان هو هذا القرآن!

والنص بصورته المعجزة هذه يحمل عدة معان في وقت واحد:

أن القرآن هو المعجزة التي شاءت إرادة الله أن ينزلها على -الرسول صلى الله عليه وسلم- دون غيره من المعجزات (لا يمنع هذا وجود معجزات أخرى للرسول غير القرآن، ولكن معجزة التحدي هي القرآن كما هو واضح من سياق الآيات) .

أن الله سبحانه وتعالى لن ينزل خارقة حسية!

أن القرآن: المعجزة المختارة -لحكمة ربانية- بدلًا من الخوارق الحسية التي أرسل بها الرسل من قبل، ليس من شأنه أن يصنع خوارق حسية كتسيير الجبال أو تقطيع الأرض أو تكليم الموتى .. إنما هو معجزة معنوية تخاطب القلوب والعقول لتصل بها إلى الرشد عن طريق الوعي والإدراك والتفهم لا عن طريق الإخضاع للخارقة الحسية ["إِن نَّشَا نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ"[3] ].

هذه هي المعاني المتضمنة مباشرة في النص .. ولكن النص مع التكملة المقدرة يوحي بمعنى آخر:

(1) سورة الأنعام: 91.

(2) سورة آل عمران: 64.

(3) سورة الشعراء: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت