والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء .. إن المشيئة الربانية طليقة لا يقيدها قيد .. ولا يوجد من يفرض عليها القيد .. تلك حقيقة قائمة بذاتها، وتسجلها الآية. ولكن السياق يوحى في ذات الوقت -عن طريق المقابلة مع"من أناب"أن الذين يضلهم الله هم الذين لا ينيبون إلى الله ولا يتوجهون إليه. أما"من أناب"فأولئك هم الذين يهديهم الله.
"الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".
نعم .. إنها الطمأنينة إلى الله .. إنها قمة المشاعر الإيمانية وأروع ثمارها .. الطمأنينة إلى الله وقدره .. وإلى كل ما يأتي من عند الله، الطمأنينة إلى معية الله، الطمأنينة إلى أن الله مع المؤمن في كل لحظة لا ينساه ولا يقلاه .. حتى في ساعة العسرة .. حتى في ساعة المحنة .. حتى في ساعة العذاب .. يحس المؤمن الحق بالطمأنينة إلى الله. وعلى قدر إيمانه وتأصل هذا الإيمان يكون إحساسه بالطمأنينة إلى الله .. ألا بذكر الله تطمئن القلوب".. ألا بهذا التنبيه .. الذي يفيد القصر أيضًا .. أي أن الطمأنينة الحقيقية لا تستمد إلا من ذكر الله! لا تستمد من القوى المادية ولا القوى البشرية ولا أي ستار ولا أي تحصن! إنما تستمد من ذكر الله. لأنه هو الذي يمنح الطمأنينة الحقة .. وهو الذي يملك الأمان الحق .. وهو أكبر .. أكبر من القوى والحصون والبشر والأموال والسلاح!"
"الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ".
نعم .. الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. لقد ذكر الإيمان وحده في الآية السابقة ليصف أثر الإيمان في مشاعر الإنسان، ثم أردفها بهذه الآية ليبين أثر الإيمان في السلوك العملي ..
أولئك طوبى لهم .. الطيبات لهم .. والمآب الجميل إلى الله ..
"كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ، وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ".
"كذلك"..
بالإضافة إلى ما سبق في السورة كله من تفصيل للآيات .."أرسلناك".
لقد سبق في أول السورة قوله تعالى:".. يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ".
وإلى جانب تفصيل الآيات الذي كانت السورة تعرضه حتى الآن، يرسل الله رسولًا إلى هذه الأمة ليقوم بالتبليغ عن الله ويقوم بالبيان:
"كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ".
وقد كان مقتضى هذا كله أن تؤمن هذه الأمة -وقد خلت من قبلها أمم أرسل إليها رسل، فليست هي أول أمة أرسل إليها رسول حتى تنكر الرسالة والوحي وتنكر الكتاب المنزل -ولكنهم مع ذلك لا يؤمنون!
"وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ".