الصفحة 127 من 379

يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب .. خطوط أدق!

أقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة .. خطوط أدق!

نسق ملحوظ في كل لوحات السورة من البدء إلى الختام!

ثم تأتي الصورة المقابلة ..

"وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ".

إنها الصفحة المقابلة تمامًا ولا شك .. ولكن أرأيت إلى صورة العرض وإيحاءاتها؟!

هناك عرض متمهل، يصف أولي الألباب بأوصافهم الجميلة الشفيفة وصفًا تفصيليًا، مع العناية الفائقة بهم والاحتفال التام بوصفهم، الذي يتبدى في تقديمهم من جديد في كل مرة: الذين .. والذين .. والذين .. بينما هنا يقدمهم دفعة واحدة بكل أعمالهم السيئة في سياق واحد سريع بغير احتفال! وفي آية واحدة يصفهم، ثم يلعنهم، ثم يوصلهم إلى جهنم!! بينما هناك وصفوا في ثلاث آيات متواليات، ثم أعطيت لهم البشرى في الآية الثالثة، وفصلت في آيتين بعد ذلك!

والعناية هناك مقصودة .. والإهمال هنا مقصود!

"اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ".

آية تجيء مفاجئة -في الظاهر- بعد وصف الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه .. كأنما تقطع السياق!

كلا! إن هناك جسرًا خفيًا يربط الآيتين برباط وثيق. إنما يحتاج الأمر إلى إنعام النظر؛ لكي نرى الجسر الوسيط.

إن هؤلاء الكفار يكفرون حرصًا على متاع الحياة الدنيا! يخافون أن يحرمهم الإيمان من متاعهم! لأنهم يرون المؤمنين في محنة وابتلاء، لا مال عندهم ولا متاع! وينسون أن الله هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر! إنه ليس الإيمان هو الذي يضيع المال والمتاع، ولا الكفر هو الذي يبقى على المال والمتاع كما يظن الجاهليون دائمًا في كل جاهلية! إنما الله هو الذي يوزع الرزق، ولحكمة يريدها .. وفي النهاية -سواء بسط الرزق للإنسان في الدنيا أو قدر عليه- فإنه متاع زائل زائف، لا وزن له في الآخرة .. والمتاع الحق هو ذلك المتاع الأخروي .. الذي لا ينشئه تملك المتاع في الدنيا .. إنما ينشئه الإيمان! ومن ثم فإن هذه النظرة التي ينظر بها الكفار إلى الأمر فيكفرون، إنما هي نظرة غبية لا تستحق الاحترام!

ثم يعود إلى تسجيل ما يطلبه الكفار من تنزيل آية .. وهذه هي المرة الثانية في السورة التي يسجل فيها طلبهم، بما يدل على إلحاحهم الشديد في ذلك [جاء ذكر الطلب مرة ثالثة في السورة] كما يدل على اهتمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأمر [وهذا ما يرجح عندنا كذلك أن السور مكية لا مدنية، فإن هذا كله كان يقع في مكة لا في المدينة] . ولكنه لا يرد عليهم بالاستجابة:

"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ".

إن الله لن ينزل عليهم الآية التي يطلبونها لحكمة يراها الله سبحانه. ولكنه لا يرد عليهم بذلك مباشرة، بل يرد بذكر حقيقة لا يجعلون بالهم إليها! إن الإيمان ليس متعلقًا بتنزيل آية! إنما يهدي الله الذين يتوجهون إليه متطلعين إلى الحق، ويضل الذين تنصرف قلوبهم عن الحق ..

"قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت