وهذا كله سلوك عملي نشأ من تلك المشاعر الخاشعة لله، التي نشأت بدورها عن ذلك العلم بأن ما أنزل الله هو الحق.
إنه لا بد أن يصل هذا العلم في النهاية إلى سلوك، بعد أن يتحول إلى مشاعر .. وإلا فهو علم كعلم الجاهلية الذي لا يقدم ولا يؤخر، والذي من أجله سمى الله العرب في جاهليتهم"الذين لا يعلمون".. أما هنا فصفات"الذين يعلمون"وسلوكهم، تبين لنا الفرق بين العلم الإيماني والعلم الجاهلي .. وشتان ما بين علم وعلم ..
"صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ ..".
إنها صورة شفيفة للصبر .. كلها نور .. وكأنما النور الرباني من"وجه ربهم"يتألق في قلوبهم وعلى قسمات وجوههم فتضيء! أليسوا قد صبروا ابتغاء"وجه ربهم"؟
يا لها من شفافية! .. لم يقل هنا صبروا ابتغاء نعيم الجنة .. وهو من حقهم! إنما يقول"صبروا ابتغاء وجه ربهم".. إنها أشف صورة للصبر .. وأروع صورة للإيمان ..
"وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً".
إنها تكملة الصورة الشفيفة الوضاءة السامية .. أقاموا الصلاة، يصلون بها ما بين قلوبهم وبين الله. وأنفقوا سرًا وعلانية لا يبتغون بإنفاقهم إلا وجه الله .. ولفظة"سرًا"هنا تشارك في رسم الصورة الوضيئة لأولئك المنفقين ابتغاء وجه الله.
"وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ".
وتلك قمة الشفافية .. وقمة الصبر .. وقمة الارتفاع .. يتلقون السيئة فيدرءونها .. ولكن كيف؟ بتقديم الحسنة إلى المسيئين!
إنها صورة شفيفة ولا شك .. ولكنها تستوقفنا هنا في هذا المجال لتقول إنها من بين الأمور التي ترجح أن السورة مكية لا مدنية!
فقد كان كف الأيدي، ومقابلة السيئة بالحسنة هو أمر الله للمسلمين في مكة، فأما في المدينة فقد أمرهم برد العدوان، ثم أمرهم بعد ذلك بأن يبدأوا هم بالقتال حتى يدرءوا الفتنة:"وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه" [1] .
ولكل مكانه .. درء السيئة بالحسنة له مكان ومجال، ودرء السيئة بالقتال له مكان ومجال .. ولا يصلح لهذا ما يصلح لذاك. والله أعلم حيث ينزل وحيه وأوامره ..
إنما الذي يهمنا هنا أن هذه الآية -مع غيرها- ترجح أن السورة مكية .. والعلم اليقين عند الله.
ويختتم السياق تلك الصورة الشفيفة الوضاءة بالجزاء الذي يستحقه هؤلاء عند الله ..
"أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ".
لهم العقبى الحسنة في الدار الخالدة:
"جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ..".
فهنا نعيم نفسي مضاعف .. نعيم دخول الجنة، ونعيم التلاقي مع الآباء والأزواج والذريات الصالحة .. هناك في الجنة. وليس هذا فقط .. فإنما تكمل صورة هذا النعيم الروحي الشفاف بدخول الملائكة من كل باب مرحبين:
"وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ، سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ"!.
أي نور يغمر الصورة كلها في نهاية المطاف!
إن الصورة كلها مضيئة شفافة رائقة .. بكل صفة فيها وكل تصرف وكل شعور .. ثم تتلاقى الأضواء كلها فتغمر الصورة غمرًا بهذا النور الملائكي، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب .. من كل باب! إنها صورة أخاذة للترحيب"بالضيوف"وإنهم لضيوف الرحمن حقًا في تلك الدار الخالدة ذات النعيم المقيم ...
وهل لنا أن نقف وقفة فنية سريعة إزاء هذه اللوحة الرائفة قبل أن ننتقل إلى اللوحة المقابلة ..
أرأيت إلى هذا التنسيق في اللوحة!
يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق. ويصلون ما أمر الله به أن يوصل .. خطوط عريضة!
(1) سورة الأنفال: 39.