الصفحة 125 من 379

"الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ".

وإن هذا الوصف الرائق الجميل الشفاف ليستوقفنا في أكثر من موضع منه، بل في كل موضع!

إن أولي الألباب هؤلاء هم الذين وصفهم السياق من قبل بأنهم الذين يعلمون أن ما أنزل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الحق. ثم هم الذين يوصفون هنا بأنهم"الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ"والذين .. والذين .. والذين ..

فأول ما يلفت حسنا هنا أن هذا"العلم"بأن ما أنزل الله هو الحق، ليس ذلك العلم الذهني البارد الذي لا يتحرك .. ولكنه علم متحرك مشع، ينتج آثارًا معينة في سلوك أولي الألباب ..

فعلمهم بأن ما أنزل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الحق، قد انتقل من الذهن الذي علم، إلى القلب الذي ينبض بالوجدان الحي، لكي يتحول منه إلى سلوك:"يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ...".

"يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ"أي ميثاق هو؟ أهو الميثاق الذي أخذ على بني آدم في عالم الذر:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا"أم الميثاق الذي عقدوه مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ شهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بما معناه ألا يعبدوا إلهًا آخر غير الله، ولا يطيعوا أحدًا غير الله [والرسول المبلغ عن الله] ولا يستمدوا من أحد غير الله؟

هذا وذاك ميثاق .. أو هو ذات الميثاق ..

وإن التعبير إذ يقول:"عهد الله"ويقول"الميثاق"ليعني كل عهد مع الله، وكل ميثاق مع الله.

تلك أول صفة يوصف بها أولو الألباب. وأول أثر من آثار هذا"العلم"الذي علموه، فتحول إلى سلوك.

"وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ..".

إن"ما"بهذا التعميم لتعني كل ما أمر الله به أن يوصل. وإن هذا التعميم بالنكرة هنا ليعطي مساحة واسعة للمعنى يدخل فيها أمور لا تحصى. والسياق هنا لا يحصيها، ليبقيها هكذا عامة شاملة موحية! فاتصال القلب بالله في الصلاة والذكر مما أمر الله به أن يوصل. والاتصال بذوي القربي بالمودة والإنفاق عليهم مما أمر الله به أن يوصل. واتصال الزوجين بالمودة والرحمة مما أمر الله به أن يوصل. واتصال القلوب المتآلفة المتحابة في الله مما أمر الله به أن يوصل .. وغيرها .. وغيرها مما يشمل كل أعمال الإنسان!

"وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ".

إن العلم بأن ما أنزل من الله هو الحق لا بد أن يؤدي في القلب المؤمن إلى الخشية من الله، وإلى الخوف من سوء الحساب، وإلا فإنه يظل علمًا معلقًا، لا رصيد له في المشاعر، التي تؤدي إلى السلوك. ولكن أولي الألباب الموصوفين هنا يدركون من هذا العلم جلال ربهم فيخشونه، ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من حساب فيخافون سوء الحساب.

"وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت