الصفحة 124 من 379

ومع أن الصورتين هما انعكاس لأصل واحد، ويضرب المثلان لشيء واحد:"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ"، إلا أن كل صورة تُعكس من زاوية غير الأخرى وإن كانتا في النهاية تؤديان إلى غاية واحدة. فهنا الصورة هي صورة النار التي يفتن فيها المعدن. والإشارة إلى الفتنة التي يبتلى بها المؤمنون:

"أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" [1] .

ففي أثناء الابتداء يكون الباطل هو المنتفش المتحرك الفوار، والحق مغمورًا تحت سطوة الباطل لا يظهر .. حتى إذا انتهت حكمة الابتلاء، وتميز الخبيث من الطيب، ذهب الخبث بددًا وبقي الطيبون في الأرض ..

أرأيت إلى إبداع الصورة .. بل الصور المتعددة الموحية المعبرة الجميلة؟

ألا إنه لإعجاز ..

كان المثل المضروب يصور الهدى الرباني المنزل في القرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويصور القلوب التي تستجيب والتي لا تستجيب:

"لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ".

وهنا وقفة فنية كذلك تبين لنا جمال التعبير بالتصوير .. لو قال: والذين لم يستجيبوا له لن ينفعهم شيء يوم القيامة .. لأدى التعبير معناه. ولكن أين هذا المعنى الذهني من تلك الصورة:"لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ"؟.

إن الخيال هنا يعمل في تتبع الصورة: صورة إنسان يمتلك ما في الأرض جميعًا .. وذلك مستحيل في عالم الواقع لأنه يفوق قدرة الإنسان على التملك، ولو لم يمنعه أحد ولم ينافسه أحد .. ولكن الصورة تزيد الأمر استحالة .."وَمِثْلَهُ مَعَهُ"ومن أين يأتي بالمثل حتى لو أراد! ثم الاقتداء ذاته .. كيف يقوم به! كيف يتقدم إلى الله بملء الأرض ومثله معه؟! إن الخيال ليرسم صورة إنسان يحاول أن يتأبط الكرة الأرضية جميعها -فضلًا عن مثلها معًا! - ليحاول تقديمها إلى الله فدية عن نفسه لكي لا يدخل جهنم! فيتجسم معنى الاستحالة بأضعاف ما يتمثله الذهن المجرد الذي يتعامل مع المعاني التجريدية للألفاظ!

ثم يمضي السياق في جولة جديدة يعقد فيها مقارنة بين الفئتين من البشر اللتين ذكرهما من قبل"لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ""وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ"واللتين ضرب لهما المثل من قبل بالأودية التي تحتمل السيل كل بقدره:

"أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ".

إنهما فريقان: أحدهما يعلم أن ما أنزل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الحق. والثاني يوصف بأنه أعمى. ومقتضى المقابلة أن يكون الفريق الأول هو البصير، كما قال من قبل:"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ". ولكنه لا يصفه هنا بصفته إنما يصفه بحالته: يعلم أن ما أنزل هو الحق. ثم يطلق عليه وصفًا أخر:"أُوْلُوا الأَلْبَابِ"ومقتضى المقابلة أن يكون الفريق المكذب لا ألباب له، أو كما يصفهم القرآن في غير هذا الموضع:"لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا" [2] .

وهنا يأخذ السياق يصف لنا أولى الألباب هؤلاء:

(1) سورة العنكبوت: 2 - 3.

(2) سورة الأعراف: 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت