إن الصورة القائمة بذاتها المعكوسة من خلال المرآة ذات الخاصية الفنية الخاصة، هي الماء النازل من السماء حتى تفيض به الوديان .. كل واد يحمل بقدره. فهذا واد عميق فيمتلئ امتلاء، وذلك واد ضحل لا يمكث فيه الماء، إنما يمر عليه مرورًا ولا يمكث فيه .. ثم إن السيل يحمل في طريقه زبدًا رابيًا، مما كان في الوديان من أوساخ ورواسب، فيظهر الزبد على السطح فترة فيغطي على الماء، فإذا رأى الرائي فإنه يرى ذلك الزبد الفوار الجياش على السطح. ثم يستقر السيل بعد فترة، فإذا الزبد المنتفش الفوار الجياش قد اختفى .. ويبقى الماء مستقرًا في الأرض، صافيًا رائقًا، فينتفع به الناس ..
أما المعنى الأصلي، المراد التمثيل له فهو هكذا: أن الله ينزل من السماء هدى ربانيًا على القلوب البشرية -الهدى يقابل الماء، والقلوب تقابل الوديان- فيأخذ كل قلب حسب طبيعته. قلب يمتلئ بالإيمان، وقلب ينزل عليه الهدى فيطرده فلا يتلبث فيه. ثم إن الباطل الذي لا يؤمن ينتفش ويفور فترة من الزمن في صراعه مع الحق النازل من السماء .. ثم لا يلبث أن يستقر أمر الله في الأرض، فإذا هذا الباطل المنتفش قد دمر الله عليه، فذهب بددًا بعد أن كان يبهر الناس بقوته الزائفة، ويبقى الإيمان مستقرًا ممكّنًا في الأرض ...
هذا هو الأصل وتلك هي الصورة المنعكسة من خلال تلك المرآة"الفنية"الخاصة. وإنها لصورة جميلة في ذاتها يتملاها الخيال فيتحرك معها وينشط لها. فإذا برزت الصورة الأصلية، وعقدت المقارنة بين الأصل والصورة زادت الأولى وضوحًا وجمالًا، وتضاعف إحساس الإنسان بها، وهو ينظر في الأصل ثم ينظر في المرآة!
ثم الآن .. يتبين لنا الجمال الخاص في هذا المثل بصورة أوضح ..
إنه في المثل يقول:"أنزل من السماء ماء".. ولا ينبه هنا، كما ينبه في مواضع أخرى إلى بداية المثل [1] ، لأن الخيط مشترك بين الأصل والصورة! إن الله ينزل من السماء ماء على وجه الحقيقة. والله ينزل من السماء هدي في كتاب منزل! ومن ثم استخدم السياق ذات الخيط، فرسم به الأصل والصورة على السواء!
ثم إن هذا المثل أيضًا يضيف جمالًا آخر .. إن المرآة تعكس صورتين للمعنى المقصود لا صورة واحدة:"وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ".. فتلك صورة أخرى يتملاها الخيال وينشط لها ويعقد المقارنة بينها وبين الأصل. فهنا ذهب ثمين أو فضة مما يستخدم في الحلي والزينة .. ولكنه لا بد أن يُفْتَن في النار، أي يوقد عليه حتى ينصهر فينفصل عنه الخبث الذي كان محتويًا عليه أو كان مصاحبًا له .. ويتميز هذا عن ذاك .. ولكنه في أثناء الفتنة يعلو الخبث -الذي يأخذ اسم الزبد هنا كذلك- فيغطي على المعدن الحقيقي، حتى إذا هدأت الأمور واستقرت كان الزبد قد نفى وحده وألقى بعيدًا، ويظل المعدن الثمين يتحلى به الناس ويتزينون.
(1) يقول في سورة البقرة مثلًا:"إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا"ويقول في سورة النحل:"ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ"فتعرف منذ البداية أنه مثل مضروب.