الصفحة 122 من 379

"أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ".

ونسأل أولًا: هل هو مثل يضرب؟

والجواب: نعم ولا شك! فقد نصت الآية نصًا على أنه مثل يضرب"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ".

ولكن مما يعطي هذا المثل جمالًا خاصًا لفئة"فنية"ربما لم ترد في موضع آخر بهذه الصورة.

إن للأمثال في ذاتها جاذبية ليست لغيرها من أنواع التعبير. والناس تحب المثل وتتأثر به أكثر من الصور المباشرة في التعبير لأن فيه جمالًا"فنيًا"زائدًا .. فبدلًا من أن يُعرض المعنى مباشرة، فإنه يُعرض معكوسًا من خلال مرآة خاصة لا كالمرايا العادية! فالمرآة العادية تعكس الشيء في نفس صورته بلا فرق. ولكن هذه المرآة ذات خصيصة غير عادية! فهي لا تعكس الشيء على صورته الأصلية، وإنما على صورة أخرى مشابهة .. ولكنها أبهى رونقًا وأكثر وضوحًا وأشد جاذبية .. ومن ثم تعين على تذوق المعنى الأصلي بعقد المقارنة بين الأصل والصورة! ومن ثم يتضاعف المعنى في الحس حين يصبح أصلًا وصورة، كل منهما قائم بذاته، ومتصل بالآخر في ذات الوقت، ويجد الإنسان متعة في تملي المعنى بخياله بدلًا من أن يتملاه بذهنه فحسب ..

هذا بالنسبة للأمثال جميعًا .. ولكن هذا المثل بصفة خاصة له جمال زائد!

إنه يبدأ وكأنه ليس مثلًا! وإنما هو امتداد للسياق في الآية السابقة!

"قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ...".

إلى هنا هل تحس أنه مثل يضرب؟ كلا! إنما تحس أنه استمرار للحديث عن قدرة الله، كما يرد في كثير من آيات القرآن، خلق كل شيء، أنزل من السماء ماء! .. أو تحس أنها قصة واقعية حدثت ذات يوم: أنزل من السماء ماء، في بقعة معينة من الأرض، فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبدًا رابيًا! ولكنه حين يقول:"ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية! أو متاع زبد مثله"تبدأ تحس أنها ليست قصة واقعية تروى .. ولكنك لا تعرف بعد ما هي! ثم هذه الثانية حقيقة قائمة بذاتها لا تعرف بعد فيم تساق، إلا في أنها مشتركة مع الأولى في وجود الزبد .. وفجأة يقال لك إنه مثل يضرب!"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ"وعندئذ تعود تراجع من جديد، لتفصل بين ما ظننته متصلًا من السياق، ثم لتتملى الأصل والصورة في المثل المضروب!

ولكن هي ينفصل السياق إذا فصلته؟"قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء ...".

كلا! إنه متصل ما يزال! وتلك هي اللفتة الفنية التي تعطي جمالًا زائدًا لهذا المثل بالذات!

إنه من ذات الخيط الذي نسجت منه الآية السابقة"قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ"يبدأ ينسج الصورة الجديدة، دون أن يشعرك في مبدأ الأمر أنه نسيج جديد وصورة جديدة .. حتى تفاجأ بالصورة بعد اكتمالها فإذا هي حقًا قائمة بذاتها، ولكن الخيط الذي نسجها يظل متصلًا بما قبله بغير انقطاع!

ثم نأخذ في تملي الأصل والصورة، فتزداد تذوقًا لتلك اللفتة الفنية الجميلة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت