"قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ".
إنه يسألهم ولا ينتظر إجابتهم!"قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ"وهم لم يكونوا ينكرون أن الله هو رب السماوات والأرض:"وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" [1] "قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ" [2] ولكن السياق لا ينتظر عليهم حتى يأخذهم باعترافهم! إنه يسألهم للتبكيت فقط ولبيان سخف تصرفهم القائم على غير منطق ولا برهان!"قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا".
ثم تنديد أشد:"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ". هل يستوي هذا الموقف الضال وموقف المؤمن الذي يرى الآيات فتتفتح لها بصيرته فيؤمن ويستجيب؛ أم هل تستوي ظلمات الكفر ونور الإيمان؟
ثم يصل التبكيت والتنديد إلى نغمة السخرية!"أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ"وحتى هم لم يكونوا يزعمون أن هناك خالقًا مع الله! إنما كانوا يشركون مع الله في صفات أخرى غير الخلق. ولكن السياق يسخر بهم لأنهم عموا عن الحقيقة الكبرى، وهي أن الخالق وحده هو الذي ينبغي أن يعبد .. وأنه ما دام هو الخالق فهو المتصرف وهو صاحب الأمر:"أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ" [3] . فهم لا ينكرون أنه سبحانه هو الخالق وحده، ومع ذلك لا يرتبون على ذلك نتيجته المنطقية، وهي أن يعبدوه وحده دون شريك. ومن هنا تجيء السخرية الحادة بهم، كأنما يقول لهم إنه لا ينبغي لهم أن يقفوا موقف الشرك والتكذيب إلا في حالة واحدة، هي أن يكون لله شركاء يخلقون كخلقه فيتشابه عليهم الخلق، ولا يستطيعون أن يميزوا بين ما خلقه الله وما خلقه الشركاء فيعبدوهم جميعًا على سواء! وما داموا هم لا يزعمون أن هناك خالقًا غير الله، فشركهم إذن ليس له مبرر، وليس له برهان.
وهذا -إذا شاء العقلانيون- دليل عقلي! ويستطيع العقل أن يجعل منه قضية عقلية منطقية ذات مقدمات وبراهين! ولكن السياق لا يسوقه من هذه الزاوية .. إنما يجعله سخرية لاذعة تثير الضحك من موقفهم الشاذ دون تجريد ذهني لا يغني شيئًا في الموقف، ولا يقدم ولا يؤخر!
ومرة أخرى يسألهم ولا ينتظر إجابتهم، فما سألهم لكي يجيبوا أصلًا، وإنما ليسخر من تصوراتهم الفاسدة:
"قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ".. وهكذا تحسم القضية رضوا أم لم يرضوا .. واقتنعوا أم ظلوا في ضلالهم المقيم.
ثم يأتي هذا المثل، وهو من أجمل الأمثال المضروبة في القرآن:
(1) سورة لقمان: 25.
(2) سورة المؤمنون: 86 - 87.
(3) سورة الأعراف: 54.