الصفحة 120 من 379

إن هذا الاستدراج الذي يستدرجه لهم السياق لَيُصَوِّرُ معنى نفسيًا دقيقًا في صورة حسية ..

فكأنما يطمعهم في الاستجابة حين يقول:"لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ ..."فإذا طمعوا استدرجهم إلى هذه الصورة البائسة: كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه!

إنها تصور طمعهم في أن تستجيب لهم تلك الأصنام التي يعبدونها من دون الله، وتوهمهم أن من وراء اتباعها خيرًا يروي غلة الظمآن -والإنسان في الحياة الدنيا يظمأ دائمًا إلى متاع الأرض! - فإذا بها تنتهي بهم في النهاية إلى الحرمان!

"وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ"...

وفي الوقت الذي يقف فيه الكافرون هذا الموقف الضال العابث، إذا بنا أمام منظر خاشع مستسلم لله:

"وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ".

فيتبين لنا أن أولئك الحفنة من الكافرين هم وحدهم الشاذون في الكون كله عن عبادة الله، يقفون وحدهم في استكبارهم الزائف، بينما الكون كله ومن فيه خاضع مستسلم لله بإرادته أو قهرًا عنه:

"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" [1] .

وهل يملك أحد إلا أن يخضع لإرادة الله ومشيئته؟

أما تلك الحفنة من البشر الضالين المستكبرين فإنهم يظنون أنهم يستطيعون أن يعجزوا الله ويخرجوا على سلطانه! وينسون أن إمداد الله لهم إلى حين ليس عجزًا من الله سبحانه عن سحقهم لساعتهم! إنما تلك مشيئته -سبحانه- أن يملى للكافرين زمنًا ما:"لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ" [2] ثم يأخذهم"أَخْذَةً رَّابِيَةً" [3] فيدمرهم تدميرا.

كلا! إنهم في شذوذهم ذلك ليسوا خارجين على إرادة الله ومشيئته، وأن توهموا ذلك لفترة من الزمان!

أما بقية الكون فمستسلم كله، وراض عن عبادة الله، فمن لم يرض فسيقهر قهرا فيستجيب!

ولكن الآية تعرض لنا صورة عجيبة تفاجئنا مفاجأة تامة! إنه ليس"من في السماوات والأرض"وحدهم هم الساجدين لله في هذا المشهد الفريد. وإنما ظلالهم أيضًا ساجدة! وما يخطر للإنسان -عادة- أن الظل له وجود قائم بذاته! فهو أبدًا تابع لصاحبه، يصحبه قهرًا .. لأنه ظله! بل لا يتصور الإنسان أن الظل وإن كان متحركًا، هو"كائن"منفصل له حركة ذاتية يمكن أن يسجد بها لله! ولكن السياق يحيي الظل، ويمنحه الحركة الذاتية المستقلة، ويفجؤنا بأنه ساجد لله كأنما لحسابه الخاص! لأن تبعيته هي لله مباشرة وليست لصاحبه الذي يحركه معه حيث يتحرك!

ألا إنها لصورة مبدعة! إنها بلفظة واحدة"وظلالهم"تضاعف عدد الساجدين لله في الكون كله! فبعد أن كانوا هم وحدهم الساجدين كما يتبادر إلى أذهاننا، إذا هما اثنان ساجدان: الشخص وظله! والشيء وظله!

بل إنه لم يتضاعف مرة واحدة! فالحركة الدائمة للظل ما بين الغدو والآصال تجعل الظل شخوصًا كثيرة جدًا وإن كان صاحب الظل لم يزد عن واحد! وتجعل السماوات والأرض مسرحًا هائلًا لسجود الظلال في كل لحظة، حتى ما يوجد مكان في السماوات والأرض قد خلا لحظة من الساجدين!

وذلك كله بكلمات معدودة لا تزيد على ثلاث أو أربع:"وظلالهم بالغدو والآصال".

ثم يعود السياق إلى أولئك المكذبين يوجه الخطاب إليهم لا بقصد إقناعهم وإنما لتبكيتهم .. فإن من لم يقتنع بكل تلك الآيات المحشودة من أول السورة لا يستحق أن يُقْنَع!

(1) سورة فصلت: 11.

(2) سورة النحل: 25.

(3) سورة الحاقة: 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت