الصفحة 119 من 379

وهكذا تنتهي الجولة مع علم الله الشامل إلى هذا التهديد للذين"وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ"ذلك أنهم إذا أصروا على موقفهم فإن الله سيريدهم بسوء لا مرد له، ولن يكون هناك من يحميهم مما أراده لهم الله.

وهنا تبدأ جولة ثالثة مع قدرة الله المعجزة .. كانت الأولى في الخلق المعجز، والثانية في علم الله الشامل إلى الدرجة المعجزة، ثم تجيء هذه في لون جديد من القدرة، تتضح لنا مناسبته حين نتلو الآيات:

"هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ".

هل أحسست جو العنف والرهبة معًا في البرق والرعد والصواعق .. والملائكة التي تسبح من خيفته؟!

إن هذه الجولة تجيء في جو التهديد، فيرتفع نبضها وترتفع حدة الأصوات فيها حتى ليصبح التسبيح صوتًا يصم الأذان، فما بال الوعيد!! وتعرض الملائكة مذعورة خائفة تسبح من الخوف في هذا الجو المائج بالبرق والرعد والصواعق التي يرسلها الله فيصيب بها من يشاء! وبينما ذلك كله حادث .. إذا هم يجادلون في الله؟

والجدل في الله، وقدرته سبحانه وتعالى على البعث والإحياء، وقدرته على إنزال آية حين يشاء، وقدرته على ما ينزل من الوحي، هذا الجدل كله أمر سخيف بالغ السخف بعد الآيات والمعجزة التي جاءت في الجولة الأولى والثانية. ولكنه أشد سخفًا وأشد ضياعًا كذلك في جو البرق والرعد والسحاب الثقيل الذي يحمل في طياته الصواعق المنفضة التي يمكن أن تصيبهم في أية لحظة!

"وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ"شديد القوة لا يُغْلَب ولا ينجح من يغالبه .. ثم تتجسم صورة الضياع الكامل في الآية التالية:

"لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ".

أرأيت إلى الضياع الكامل؟ هؤلاء القوم يتركون الله الذي له دعوة الحق .. الله الخالق القادر المدبر، الذي خلق هذا الكون الهائل، والذي علمه هو ذلك العلم الشامل، والذي يرسل البرق والرعد والصواعق .. يتركون دعوة الله ويدعون من لا يستجيبون لهم بشيء .. فأي ضلال بعد هذا؟!

ولكن السياق يستدرجهم!

"لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ".. هل انتهى الأمر، وانتهت الصورة التي يصورهم بها؟

كلا! إنه يقول عنهم:"لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ ...".

وهنا تتفتح العيون وتُزْهِفُ الأذان السمع .. هل ستحدث استجابة من نوع ما؟

نعم! ولا! .. إنها استجابة أسوأ من عدم الاستجابة!

"إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ".

إنها صورة عجيبة حقًا .. هذا شخص عطشان يريد أن يشرب .. ولكنه لا يشرب أبدًا .. لأنه لا يتجه الاتجاه الصحيح الذي يوصله للشرب رغم وجود الماء! إنه يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه .. ولكن بسط الكفين بهذه الصورة لا يرفع الماء إلى فمه أبدًا .. فيظل واقفًا هكذا .. الماء في متناوله وهو عطشان ولكنه لا يتجه الاتجاه الصحيح إليه .. فيظل على الدوام عطشان!

هل زادت هذه الصورة"الفنية"شيئًا على المعنى؟

لو قال:"لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ"وانتهى السياق هنا، ألم يكن ذلك يؤدي المعنى؟

بلى! ولكن الزيادة أضافت معنى جديدًا ولا شك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت