"يَحْفَظُونَهُ"أي يسجلون عليه أفعاله:"وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ" [1] .
"مِنْ أَمْرِ اللّهِ"أي بأمر الله .. أي أن هذا الحفظ -بمعنى التسجيل- هو من أمر الله للملائكة.
إنه لشعور رهيب أن تحس فجأة بأنك موضوع تحت المراقبة .. المراقبة الدقيقة التي لا تترك صغيرة من عملك ولا كبيرة إلا أحصتها وسجلتها عليك ..
وإن هذه الجولة الواسعة في علم الله الشامل، حين تنتهي إلى هذه النهاية، لتهز الوجدان هزة عميقة غير كل ما انفعل به الوجدان من قبل! فإن تتبع علم الله الشامل في الكون الواسع، في ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد .. هذا كله شيء، وأن تكون أنت بالذات، وفي كل لحظة، موضوعًا تحت هذه المراقبة الدائمة الدقيقة شيء آخر! الأول قد يهتز له وجدانك عجبا، وإقرارًا بعظمة الله .. أما الآخر فيهتز له وجدانك رهبة وخشية .. وكأن علم الله الشامل هذا كان نورًا كشافًا تستمتع به وهو يجول به في أرجاء الكون يكشف لك عن مخبآته وأسراره .. ولكنه فجأة يسلط عليك أنت، وأنت واقف تتفرج، فتحس أنك منكشف تمامًا في هذا النور ..
وتأمل -مرة أخرى- النسق"الفني"الذي جرى به السياق في هذه الجولة الثانية أو اللوحة الثانية .. هي ترى فيه شبهًا مما كان في الجولة الأولى؟
إن الشبه يظهر أحيانًا ويدق ويخفى أحيانًا أخرى ..
هناك شبه ظاهر في بدء السياق بخطوط عريضة تنتهي إلى خطوط دقيقة:
"اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى".. خط عريض شامل يتدرج إلى"ما تغيض الأرحام وما تزداد"وهو خط أدق.
ثم .."عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ".. خط عريض شامل يتدرج إلى"سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ..."وهو خط أدق.
وهناك شبه دقيق خفي، في أن الخط العريض ذاته محتو على خطوط دقيقة! فإن"ما تحمل كل أنثى"خط عريض يحمل في طياته مئات أو آلافًا من الخطوط الدقيقة المتناهية في الدقة، هي"تفصيلات"ما تحمل كل أنثى: من نوع ولون وشكل وخواص!
وهكذا تتداخل الخطوط العريضة والدقيقة في اللوحة الواحدة، وتمتزج الضخامة المعجزة مع الدقة المعجزة كلها في آن!
ولكن هذه الآية تحمل ثلاث قضايا مختلفة يبدو كل منها لأول وهلة كأنه منفصل تمامًا عن القضية الأخرى:
"لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ".
فما الصلة يا ترى بين أجزاء الآية الثلاثة، أو بين تلك القضايا الثلاث المتوالية في الآية؟
إن هناك جسرًا خفيًا يربط بينها جميعًا، وإن لم يبد واضحًا من أول وهلة.
فهذا علم الله الشامل يطلع على ما في القلوب .. هذه هي القضية الأولى. والقضية الثانية أنه بمقتضى هذا العلم الشامل يعلم الله ما بأنفس الناس، فيعلم أنهم غيروا ما بأنفسهم. فإذا علم أنهم غيروا فإنه يغير لهم حالهم .. ولا يغير الله الحال إلا إذا علم أن الناس قد غيّروا ما بأنفسهم سواء إلى الخير، فيغير لهم بخير، أو إلى الشر فيغير لهم بشر. وهنا تأتي القضية الثالثة متصلة بما قبلها تمامًا:"وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ"إذا علم أنهم غيروا بشر غير لهم بشر، وعندئذ -عندما يريد بهم سوءًا جزاء ما غيروا بالسوء- فلا مرد لإرادته، وما لهم من دون الله من ولي يحميهم من إرادة الله.
(1) سورة الانفطار: 10 - 12.