"وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ" [1] .
ولكن السياق هنا يجيبهم إجابة غير مباشرة تعرفهم بطبيعة الرسالة ودور الرسول. إن الرسول -كل رسول- ليست مهمته أن ينزل الآيات، ولا ذلك من شأنه:"إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ".. تلك هي مهمتك: الإنذار ..
ولكننا نقف وقفة عند لفتة"فنية"في السياق:
"إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"..
إن الإنذار والهداية بمعنى الدعوة إلى الهدى -هما- معًا -مهمة الرسول- صلى الله عليه وسلم- كما أنهما مهمة كل رسول:
"إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [2] .
"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا" [3] .
فكان المتوقع أن يقول السياق: إنما أنت منذر وهاد لهؤلاء القوم. ولكن الذي يقوله بالفعل هو:"إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"!
وكأنما السياق يوحي بأنهم لن يتلقوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا الإنذار فقط! وأن قومًا آخرين هم الذين سيكون نصيبهم الهداية على يد الرسول -صلى الله عليه وسلم! وفي ذلك إنذار لهم خفيّ وهم الذين يدركون من أسرار اللغة ما يدركون!
ثم تبدأ الجولة الثانية من عرض آيات الله المعجزة، التي لو تدبرها القوم ما طلبوا تلك الآية الخارقة التي يعلقون إيمانهم عليها!
"اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ".
وليعمل الخيال جاهدًا لتتبع ما تحمله هذه الكلمات القليلة من معجزات ..
"اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى .."هكذا على الاتساع .. اتساع الأرض التي نعيش عليها على الأقل!
كل أنثى .. فليعمل الخيال جاهدًا لإحصاء كل أنثى .. إذا استطاع.
إن"كل أنثى"لا تشمل إناث الإنسان وحده، فالسياق أشمل! إنما تشمل كما يحدد اللفظ بالضبط"كل أنثى"! إناث الإنسان وإناث الحيوان وإناث الطير وإناث الأسماك وإناث الحشرات .. وكل أنثى تخطر على البال ..
فليجر الخيال لاهثًا لا لإحصاء كل أنثى .. فذلك محال. بل لإحصاء الأجناس والأنواع فقط، التي لها إناث! وليتخيل هذه الإناث مجموعات مجموعات كل مجموعة تحمل اسم الجنس الذي تتبعه أو النوع ..
ثم ليركز الخيال على خط من اللوحة أدق .. على أرحام هذه الإناث، لا على الإناث بكاملها!
ثم ليركز على خط أدق .. على ما تحمل هاتيك الأرحام!
وليجر لاهثًا مرة أخرى لا للإحصاء فذلك محال .. بل لتصور تفصيلات ما تحمل كل أنثى في رحمها ..
تفصيلات كل نوع على حدة .. هذه إناث تحمل أجنة أناسيّ .. وهذه إناث تحمل أجنة حيوان .. وهذه إناث تحمل أجنة طير .. وهذه .. وهذه .. وهذه ..
ثم انتقل إلى خط أدق .. خذ عالم الأناسي .. وارقب التفصيلات:
هذه أنثى تحمل ذكرًا .. وهذه تحمل أنثى .. تتبع بخيالك هذه الجزئية وامض بها في أرجاء الأرض!
(1) سورة الأنعام: 109 - 111.
(2) سورة الأعراف: 188.
(3) سورة الأحزاب: 45 - 46.