وذلك بدلًا من أن يطلبوا"الحسنة"وهي الهدى والنعيم الرباني الخالد للمهتدين:"وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ".
ولو أنهم قوم يرسل لهم رسول، فربما يكون لهم حينئذ عذر! أما وقد خلت من قبلهم"المثلات"! فإن أمرهم عجيب حقًا! إنهما يعلمون من تواريخ الأمم السابقة أنهم طلبوا من رسلهم مثلما طلبوا هم من رسولهم .. فكان عاقبتهم أن دمر الله عليهم بالفعل:
"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ... قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ... فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ" [1] .
"وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ... فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ .." [2] .
"كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ... قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [3] .
تلك بعض المثلات التي خلت من قبلهم والتي يعرفونها .. أفليس من العجب إذن أن يرتكبوا ذات الحماقة التي ارتكبها مَنْ قبلهم فوقع عليهم الهلاك بالفعل؟!
"وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ".. يمهلهم لعلم يتوبون"وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ"حين يصرون ولا يثوبون!
"وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ".
تلك هي القضية التي أشارت إليها الآية السابقة من خلال ذكر"السيئة قبل الحسنة". إنهم يريدون آية تنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويعلقون إيمانهم -في زعمهم- بنزول تلك الآية .. ولو جاءتهم الآية ما آمنوا!:
(1) سورة الأعراف: 65 - 72.
(2) سورة الأعراف: 73 - 78.
(3) سورة الشعراء: 176 - 189.