الصفحة 112 من 379

وهذه الحقائق الطريفة والعجيبة في ذات الوقت لم تكن كلها معروفة وقت نزول هذه الآية، ولا كانت الصلة بين الثمرات وإغشاء الليل النهار معروفة .. وإن من معجزات هذا الكتاب أن يعثر الناس على أسرار خفية فيه كلما زادت معلوماتهم عن الكون [1] .. وإذا كانت الآية قد هزت مشاعر سامعيها من قبل، وهم لا يعرفون كل أسرارها، فأحرى بها أن تهز وجدانهم اليوم أكثر، وقد تكشف من أسرارها ما لم يكن معروفًا من قبل:"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء"حقًا [2] .."إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ". ويمضي السياق يعدد عجائب الأرض التي كان ينبغي أن تلفت الإنسان إلى عظمة الله الخالق .. لولا تبلد حسه عليها:

"وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ".

في الأرض قطع متجاورات ولكنها مختلفة بعضها عن بعض. هذه رملية وهذه طينية وهذه صخرية .. هذه سوداء اللون وهذه صفراء وهذه حمراء .. الخ والسياق يلفت الحس هنا إلى ظاهرة الاختلاف ذاتها بوصفها دليلًا على عظمة الخالق سبحانه .. فما يصنع هذا التنوع العجيب إلا إله قادر عظيم ..

والتنوع ليس في القطع المتجاورات من الأرض، المختلفة الطبيعية واللون فحسب، بل في أنواع الزرع كذلك:"وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ".. ويسرح الخيال في الرقعة الممتدة التي ترسمها الآية، ينظر إلى أنواع النبات، المختلف الألوان والأحجام والأشكال .. وكلما امتد البصر وجد أنوعًا مختلفة"متجاورات"كقطع الأرض، ومختلفات كاختلاف الأرض ..

وحتى النخيل مختلف ما بين صنوان وغير صنوان! أي أن السياق يلفت النظر إلى الاختلاف لا بين الأنواع فحسب، بل في داخل النوع الواحد كذلك [3] !

(1) هذه الظاهرة -وهي تكشف مزيد من الأسرار كلما تقدمت معرفة الإنسان بالكون- تغري بعض الناس المفتونين بالعلم أن ينشئوا تفسيرات علمية للقرآن. وهذا اتجاه خطير وخاطئ في نفس الوقت. ففي القرآن إشارات كونية لا شك فيها، وبعضها يحمل أسرارًا لم يكشف العلم عنها حتى اليوم. ولكن هذا ليس معناه أن نعامل القرآن على أنه كتاب نظريات علمية، ونمضي نقول إنه تنبأ بتفجير الذرة، وبالصعود إلى القمر! ونجري نلهث وراء كل نظرية علمية جديدة لنقول إن القرآن تنبأ بها؛ فما موقفنا غدًا إن تبين أن النظرية لم تكن صحيحة؟! كلا! لا يجوز أن نربط الظواهر الكونية التي يشير إليها القرآن بتلك النظريات المتقلبة. أما ما ثبت صحته من المعلومات العلمية التي تفيدنا في فهم آية معينة فلا بأس بالاستشهاد به على سبيل توسيع تصوراتنا لمعنى الآية فحسب!

(2) سورة فاطر: 28 انظر كتاب"العلم يدعو للإيمان".

(3) هذا الاختلاف في الأنواع هو الذي لفت دارون بشدة، وحفزه أن يكتب كتابه الشهير"أصل الأنواع The Origin of Species". ولكن بصيرته المطموسة لم تتفتح إلى ما كان ينبغي أن تدركه في هذا المجال الدقيق بالذات من عظمة الخالق المدبر وراء هذا الاختلاف العجيب، بل مضى يقول إنها الطبيعة! ثم يقول في سذاجة أو في جحود عجيب: إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها! سبحان الله! وما الله إذن؟! ألا إنها الغفلة وانطماس البصيرة أو العناد الكافر الذي يدفع الإنسان أن يستكبر عن ذكر الله حيث ينفعل وجدانه من الداخل بعظمة الخلق!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت