الصفحة 113 من 379

ثم هذه العجيبة .. هذا الزرع المختلف كله"يسقى بماء واحد"! ومع ذلك يختلف هذا الاختلاف ويتنوع ذلك التنوع .. ألا إنها القدرة القادرة التي تنشئ هذا الحشد من التنوع والاختلاف ..

بل إن التنوع ليصل إلى الدقة المعجزة .. إن الاختلاف ليس في النوع واللون فحسب .. إنه في الطعم كذلك"ونفضل بعضها على بعض في الأكل".. وتلك وحدها آية معجزة .. أن يخلق الطعوم المختلفة، ثم يخلق للإنسان الأعصاب التي تحس بالطعوم المختلفة، ثم يجعل بعض الطعوم أفضل من بعض، ثم يجعل الناس يختلفون في تفضيل تلك الطعوم بعضها على بعض .. ! ألا إنه إعجاز الخلق .. وكذلك إعجاز التعبير!

"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"!

إن العجب في سياق هذه الآيات لا يقف عند هذه الدقة العجيبة في السرد، والقدرة العجيبة على"الإحياء"التي تجعل هذه المشاهد كلها حية في الوجدان، تهزه من أعماقه ليشعر بعظمة الله الخالق الذي أنشأ كل هذه العجائب ..

إن هناك عجيبة أخرى تلتقي التقاء كاملًا مع جمال"الفن".. والتعبير القرآني المعجز كله جمال .. وكله فن! أليس الفن هو التعبير الجميل عن المعنى الجميل بطريقة موحية توقظ الوجدان؟! وهل الأسلوب القرآني غير ذلك؟ بل القمة المعجزة في ذلك؟!

انظر إلى السياق متتبعًا إياه منذ البدء، والْحظ"الجانب الفني"من العرض:

رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر ..

مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارًا ..

وفي الأرض قطع متجاورات ..

وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ..

ونفضل بعضها على بعض في الأكل ..

ألا تلاحظ نسقًا معينًا في العرض؟!

انظر مرة أخرى!

بدأ بالسماوات والشمس والقمر .. أجرام كبيرة كبيرة .. خطوط عريضة .. ولكنها تتدرج نحو الدقة: السماوات، ثم الشمس، ثم القمر ..

ثم أخذ الأرض من بين هذه الأجرام الكونية، أي أنه بدأ بخط أدق مما بدأ به المرحلة السابقة من اللوحة، ثم أخذ يفصلها متدرجًا من الكبير إلى الصغير .. الأرض المنبسطة الممدودة والجبال .. ثم الأنهار الأصغر حجمًا .. ثم الثمرات .. ثم الأزواج داخل النبات الواحد .. وكل ذلك ملفوف في رداء الليل والنهار فكأن الليل والنهار هما اللوحة: لوحة الأبيض والأسود، ترسم عليها تلك الخطوط الدقيقة المتدرجة في الدقة واحدًا إثر الآخر ..

ثم أخذ جانبًا واحدًا من الأرض، التي بدأ بها خطوط المرحلة السابقة، أي أنه بدأ بخط أدق مما بدأ به المرحلة السابقة، ثم أخذ يتدرج منه إلى ما هو أدق: جنات من أعناب وزرع ونخيل .. حتى وصل إلى غاية الدقة في الطعوم التي فضل بعضها على بعض، وهي شيء خفي في مظهره، لا تتبينه إلا أعصاب الذوق، وهي من أدق ما في تكوين الإنسان!!

هذا التدرج الملحوظ من الكبير إلى الصغير في الخطوط المتوالية عامة ثم في كل خط على حدة .. أهو محض صدفة؟ وهل هكذا تكون الصدف .. فضلًا على أنه لا صدفة في الوجود كله على الحقيقة .. لأن كل ما في الوجود قدر من عند الله مقدور!!

كلا! إنها ليست"صدفة"حتى على المجاز! فسنجد بعد آيات قليلة أن النسق ذاته قد روعي في اللوحة التالية!!

ونمضي الآن مع السياق حتى نصل إلى تلك الآيات ..

"وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ".

في اللحظة المناسبة، بل في أنسب لحظة، وقد انفعل الوجدان بتلك الآيات المعجزة كلها، يعجب من أمر الذين ينكرون البعث، فتعجب منهم حقًا، وتستهجن موقفهم حقا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت