وهذا الكتاب المنزل الذي يجادلون فيه هو هو تفصيل الآيات .. الذي أنزل لتعريف الناس بربهم .. ليوقنوا بلقائه فيعبدوه ..
ويستوقفنا التعبير:"يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ ..".
إنه لا يقول يدبر الأمر ويفصل الآيات، بل يقول بغير عطف:"يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ"وكأنما الأمران لهدف واحد: يدبر الأمر لعلكم بلقاء ربكم توقنون .. و .. يفصل الآيات لعلم بلقاء ربكم توقنون! ولذلك يجمع بينهما السباق بغير فصل، لأن بينهما -كما يقول البلاغيون- تمام الاتصال.
ثم يستمر السياق يفصل الآيات:
"وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".
والقوم الذين"يتفكرون"لهم في هذه الآية مجال واسع ..
وربما لم يكن العرب الذين خاطبهم القرآن بهذه الآيات أول مرة مدركين لكل ما فيها من آيات. ومع ذلك فهي تهز وجدانهم إذ تعرض على حسهم هذه"الموجودات": الأرض الممدودة، والرواسي والأنهار، والثمرات ذات الزوجين أي النباتات ذات أعضاء التذكير والتأنيق التي يتم فيها الإخصاب فتخرج الثمرة .. يعرضها على حسهم بكل جدتها، بعد أن يزيل تبلد حسهم إزاءها بتكرر المشاهدة، فتعطي شحنتها الكاملة في وجدانهم، ثم يذكرهم بأن الله هو الذي صنعها:"وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ .."فتتيقظ الفطرة لخالقها، وتتوجه إليه، وحده، ما دام هو الذي صنع هذه الأشياء كلها بغير شريك ..
ولكننا اليوم ربما كنا أكثر"علمًا"بالآسات المفصلة في هذه الآية، لأن البشرية خلال قرون طويلة قد عرفت من شأن هذه الأمور أشياء لم تكن معروفة للمخاطبين الأوائل بهذا القرآن، أو لم تكن معروفة لهم بهذا الوضوح. ويتبين لنا اليوم أن السياق في الآية، لم يكن مجرد سرد للموجودات بعضها مع بعض، أو بعضها تلو بعض، ولكنها جاءت متوالية في ترتيب"علمي"مقصود، وضعت المفردات فيه في تسلسل معين لغاية معينة!
فالأرض الممدودة -سواء كان معناها الكرة الأرضية التي تبدو ممتدة لاتساعها، أم كان معناها الجزء المنبسط من الكرة الأرضية- جُعِلَت فيها رواسي، وهي الجبال الشامخة، وعلى إثر الجبال تذكر الأنهار. ونحن نعلم اليوم أن الجبال ذات صلة مباشرة بتكون الأنهار، لأنها هي التي تصدم السحب فتسقط ما فيها من ماء، فتتكون منها الأنهار. ومن الماء الجاري ينبت النبات في الأرض، فالصلة إذن موصولة بين الأنهار وبين الثمرات التي تجيء تاية لها في الآية، والتي يلفت السياق الحس إلى ظاهرة الأزواج فيها:"وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ"كما قال في سورة يس [آية 36] :
"سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ".
فيؤكد على ظاهرة الزوجية في بناء الكون كله، ويلفت الحس إلى عظمة الله القادر الذي خلق هذه الأزواج.