الصفحة 109 من 379

"اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ..".

ونحن لا نعلم كيف استوى على العرش. ولا المخاطبون المنكرون يعلمون. وليس المقصود من إيراد هذه الحقيقة أن نعرف أو يعرفوا كنهها. ولكنها حقيقة غيبية تجيء بعد الحقيقة الأولى المشهودة، وتعطي شحنتها من خلال إيحائها، فهي توحي بالتمكن الكامل والسيطرة الكاملة والإشراف التام على كل الخلق.

"وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ..".

وجريان الشمس والقمر حقيقة مشهودة كذلك، ولكنها من الحقائق الكونية الكثيرة التي يتبلد عنها الحس بالإلف والتكرار.

ولكن التعبير القرآني يزيل عنها إلفها، ويمنحها الجدة التي تجعلها تعطي للحس شحنتها. نه لا يقول إن الشمس والقمر يجريان، ولكنه يضع قبل هذه الحقيقة المشهودة حقيقة أخرى هي التي ينساها القلب الغافل فيتبلد عن دلالتها:"وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ .."فالشمس والقمر لا يجريان من تلقاء نفسهما كما يخيل إلينا في حالة الغفلة والتبلد. وما كان لهما -بأي قوة- أن يجريا، لو لم يتلقيا الأمر من الله الذي سخرهما لأمر يريده سبحانه.

وإذن فالأمر كله مرده إلى الله .. والمطلوب من الإنسان الغافل أن يتيقظ الآن لهذه الحقيقة لكي لا يعود إلى الغفلة التي تؤدي إلى الإنكار.

"كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ..".

الإشارة إلى الأجل المسمى عند الله، الذي تتوقف فيه حركة كل الأفلاك، وهي مما يساعد على إيقاظ الحس وإزالة التبلد عنه، لأنه يلفت النظر إلى شيء زائد على مجرد الحركة التي تراها العين فتألفها وتنساها!

"يُدَبِّرُ الأَمْرَ .."،

عود إلى التعريف بالله. إنه هو الذي رفع السماوات بغير عمد ثم استوى على العرش. وهو الذي سخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. ثم هو يدبر الأمر.

هل المقصود هو مجرد الإعلام بأنه يدبر الأمر؟ أو -بعبارة أخرى- هل هي مجرد"معلومات"جديدة في سبيل التعريف بالله؟

إنني ألمح من ورائها معنى آخر ..

فالسياق قد ذكر أمورًا حدثت في الماضي السحيق لا يعلم مداها إلى الله، من رفع السماوات والاستواء على العرش وتسخير الشمس والقمر ..

ولقد يخيل للحس الغافل أن ذلك قد تم -ذات مرة- وانتهى الأمر! ثم أصبح الكون من تلقاء نفسه يسير، مدفوعًا بتلك الدفعة الأولى بغير إرادة مباشرة من الله! ومن ثم يصبح الله"غائبًا"في ذلك الحس الغافل، لا يتنبه لوجوده، ومن ثم لا يتوجه إليه، أو لا يتوجه إليه التوجّه الحقيقي المطلوب ..

والسياق يرده إلى الحقيقة .. أن الله"حاضر"في تدبير الكون في هذه اللحظة، كحضوره في ذلك الأزل الذي لا يستوعبه إدراك البشر، وفي الأبد الذي لا تستوعبه الأفهام. وعندئذ فلا مجال للنسيان! فتدبير الله للكون أمر يتم في كل لحظة، وفي هذه اللحظة، وقدر الله حاضر دائمًا في كل حدث يتم في هذا الكون ..

"يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ".

وقد كان الله سبحانه وتعالى يملك أن يرفع السموات بغير عمد، ويستوي على العرش، ويسخر الشمس والقمر، ويدبر الأمر .. ثم لا يفصّل للناس الآيات، ويلزمهم مع ذلك أن يعبدوه ويطيعوه، وهو ربهم المتصرف فيهم كيف يشاء. ولكن من رحمته بالناس يفصّل لهم الآيات ولا يتركهم لشأنهم فيضلوا. يفصل لهم الآيات لعلهم يوقنون بلقاء ربهم، وبحسابه وثوابه وعقابه، فيطيعوه فيما يأمر من أمر، فيصلح أمرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة .. فلمصلحتهم هم إذن يفصّل الآيات، ويُعْلِمُهُم بخلقه للسماوات، واستوائه على العرش، وتسخيره الشمس والقمر، وتدبيره الأمر .. لعلهم أن تتفتح بصيرتهم فيبصروا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت