الصفحة 108 من 379

الكتاب مكون من هذه الأحرف التي تنطقون بها وتصوغون كلامكم منها [1] . من نفس الخامات التي تستخدمونها. فما بالها -على ألسنتكم- غيرها في هذا الكتاب؟ ألا يدلكم ذلك على شيء؟ ألا يدلكم على أن القائل لهذا القرآن ليس أحدًا من البشر؟ إن الإعجاز في هذا القرآن ليس نابعًا من أنه استخدم حروفًا أخرى غير التي يتكلم بها العرب المخاطبون به أول مرة. إنما هو نابع من"الاستخدام الرباني"لهذه الحروف ذاتها الموجودة في لسانهم، فإذا من نفس الخامة بناء فريد معجز لا يتسنى لبشر أن يأتي بمثله. فهو إذن منزل إليك"من ربك"وهو"الحق""ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"مع بداهة القضية وعدم حاجتها إلى مزيد من البرهان!

بهذا الأسلوب الهادئ الحاسم في ذات الوقت، يقرر القضية الأولى التي ينكرها المشركون وهي قضية الوحي، ويقرر كذلك موقفهم منها، وهو أنهم"لا يؤمنون"بها.

ثم بدلًا من أن"يناقشهم"في موقفهم ذلك ليبين لهم -بالدليل العقلي- أنهم مخطئون وأنهم ليسوا على شيء، إذا به كأنه يترك القضية جملة وينتقل إلى قضية أخرى جديدة بالمرة! قضية الخلق، والاستواء على العرش، وتسخير الشمس والقمر ..

"اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى".

ولكن أهي حقًا قضية جديدة مختلفة؟ وهل ترك القضية الأولى معلقة بغير رد؟!

كلا! إنها القضية ذاتها في الحقيقة ولكن القرآن يعالجها على طريقته!

إن الآية الثانية تبدأ بلفظ الجلالة:"الله".. وذلك هو مفتاح القضية! فالقضية في ظاهرها هي إنكار العرب للوحي. ولكنها في حقيقتها -كما يعلمها الله- هي جهلهم بحقيقة الألوهية! فلو أنهم عرفوا الله حق المعرفة ما استغربوا أن ينزل الله كتابًا على أحد من خلقه بطريق الوحي، وما أنكروا كل ذلك الإنكار ..

وما دامت القضية في جوهرها هي جهلهم بحقيقة الألوهية، فالجدل -أو حتى البيان- في جانبها الجزئي المتعلق بالوحي لا يغني الغناء الكامل، الذي يغنيه الحديث عن الألوهية، وبيان القدر الربانية المعجزة التي لا يعجزها شيء في السموات ولا في الأرض.

ومن ثم فابتداء الآية بلفظ الجلالة:"الله"-في معرض الرد على إنكار الوحي- ليس غريبًا ولا مفاجئًا، إنما هو يلفت حسنا -وحسّ أولئك المنكرين كذلك- إلى جوهر القضية، وإلى سبب ذلك الإنكار.

ثم يمضي السياق يعرّف بالله سبحانه وتعالى ..

"اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ..".

وقيام السماوات مرفوعة بغير عمد -أو بغير عمد منظورة- حقيقة مشهودة. ولكن الحس يتبلد عليها بدافع الإلف والعادة فلا يعود يأخذ منها دلالتها الحقيقية على عظمة الخالق التي لا تقف عند حد ..

ولكن القرآن يَبْدَه بها الحس فيزيل عنه الركام الذي يغشيه فيمنعه من تلقي الشحنة الكاملة لهذه الحقيقة.

والمفاجأة التي تلقيناها لأول وهلة هي واحد من عوامل الإيقاظ التي يوقظ بها القرآن الحس المتبلد: مفاجأة الرد على قضية إنكار الوحي بلفظ الجلالة: الله!

لقد علمنا الآن سرها، وعلمنا أنها ليست مفاجأة في الحقيقة، ولكنها لفت نظر إلى الجوهر الحقيقي للقضية. ولكن ذلك لا ينفي أنها فاجأتنا لأول وهلة .. وذلك أمر مقصود في السياق، ليستيقظ الإنسان من غفلته، ويتدبر القضية بلقب مفتوح.

(1) هذه الدلالة التي أستريح إليها في تفسير الأحرف التي تجيء في مفتتح بعض السور، وتجيء بعدها مباشرة إشارة إلى"القرآن"أو"الذكر"أو"آيات الكتاب".. وهو دليل ظني على أي حال، واليقين يعلمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت