الصفحة 81 من 114

وحين يتربى القلب على هذه الصورة فهو لا يتجه أصلا إلى الجريمة ، لأنه يخاف مقام ربه فينهى النفس عن الهوى . ولأنه يشعر بالقناعة بما بين يديه من فضل الله ، فإذا رغب في الزيادة فعند الله المزيد .

ولا نقول إن التربية الإِسلامية تحول الناس إلى ملائكة ، وتنزع نوازع الشر من نفوسهم فلا يعود في قلوبهم غل ولا حقد ولا غضب ولا سخيمة . . فذلك لا يتحقق إلا في الجنة:

( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (1) .

إنما نقول على يقين: إن المجتمع الإسلامي - حيثما وجد مجتمع إسلامي حق - هو أقل مجتمعات الأرض جريمة . وإن العامل الأول في ذلك هو هذه التربية التي تربط القلب بالله ، يحبه ويخشاه .

والإسلام مع ذلك نظام واقعي ، لا يفترض في الناس المناعة والجو موبوء بالجراثيم . إنما يكافح الجرثومة في ذات الوقت الذي يربي فيه مناعة القلوب .

فأما السرقة فجرثومتها الجوع والفقر . ويسعى النظام الإِسلامي إلى مكافحة الجوع والفقر بتشريعاته وتنظيماته وتوجيهاته جميعا حتى لا يوجد في الأرض جائع يضطر إلى السرقة بسبب الجوع .

وأما الزنا فجرثومته الفتنة والإثارة والتبرج والخلاعة ، والفراغ من القيم الجادة التي تستوعب مشاعر الناس وطاقاتهم ، والترف والترهل . . والإسلام يمنع ذلك كله ويحاربه ، وفي ذات الوقت يدعو إلى التعجيل بالإحصان - بالزواج - ويدعو إلى تيسيره ، لكي تأخذ الأمور منطلقها الطبيعي ولا يحتاج أحد إلى الجريمة .

وكذلك في بقية الحدود . . يسعى النظام الإسلامي إلى الإحاطة بمنبع الجريمة قبل أن يلوث الجو بالجراثيم .

(1) سورة الأعراف [ 43 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت