ومع ذلك ينظر الإسلام في كل حالة مفردة: هل ارتكب الجريمة مرتكبها وهو معذور ؟! فإن قامت الشبهة فإن الإسلام يدرأ الحد بالشبهة . ولا يوقع الحد إلا عند التيقن من أن مرتكب الجريمة غير معذور . وهذا هو تصرف عمر رضي الله عنه حين أوقف حد السرقة في عام الرمادة ، عام الجوع . وحين جيء له بغلمان سرقوا ناقة فلم يقم عليهم الحد ، بل ألزم سيدهم أن يعوض صاحب الناقة بضعف ثمنها عقوبة له على تجويع غلمانه . وقال له: والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم فتجيعونهم ، حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له ، لقطعت أيديهم . فإذ لم أفعل فلأغرمنك غرامة توجعك ! ثم التفت إلى صاحب الناقة فقال: بكم أريدت منك ناقتك ؟ قال: بأربعمائة ، فقال لابن حاطب ، صاحب الغلمان ، اذهب فأعطه ثمانمائة ! (1) .
والحد في ذاته أداة للوقاية من الجريمة . فإن شدته الملحوظة قد قصد بها تخويف من تحدثه نفسه بارتكاب الجريمة - وهو غير معذور - فيفكر مرات ومرات قبل أن يقدم على التنفيذ .
ثم إن الإِسلام حين يوقع الحد على مرتكب الجريمة - غير المعذور - لا ينبذه من أجل جريمته . إنما الحد كفارة للتطهير:
". . فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة" (2) .
لذلك يرد له الإسلام صفحته بيضاء نقية ، فلا يلمز ولا يغمز ولا يغتاب ، ولا توصد في وجهه الأبواب حتى لا يعود إلى الجريمة من جديد . .
أي تشريع في الأرض كلها - قديمها وحديثها - أحاط بموضوع الجريمة والعقاب هذه الإحاطة ، فشمله من كل جوانبه ، ووضع له التشريع الأمثل كما فعلت شريعة الله ؟ ومع ذلك يعدلون ؟!
( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (3) .
(1) من رواية الطبراني .
(2) أخرجه البخاري .
(3) سورة المائدة [ 50 ] .