يقال فيما يقال إن الحدود في الشريعة الإسلامية مظهر"غير حضاري"! إن كان يناسب البيئة البدوية التي نزل فيها القرآن ، فهو لا يناسب البيئة المتحضرة التي يعيش فيها سكان العالم الحديث ! ما أفظع أن تقطع يد السارق ! ما أفظع أن يرجم الزاني ! إنما السجن هو العقوبة المهذبة اللائقة بالحضارة ! أو إن شئتم . . فلا عقاب !
ويقال كذلك فيما يقال: إن الشريعة الإسلامية تظلم المرأة وتأبى عليها ما منحته إياها الحضارة الحديثة من الحريات والحقوق !
وما بنا أن نعيد كلاما قلناه من قبل ونحن نستعرض قضية التطور .
إنما نقول إن هذه الشريعة هي التشريع الوحيد في الأرض ، الذي أخذ موضوع الجريمة والعقاب من كل زواياه في آن واحد .
إن الإسلام لا يبدأ بتقرير العقوبة ولا بتوقيع العقوبة .
إنما يبدأ بوقاية المجتمع من الجريمة ، بالإحاطة بمنابعها قبل أن تنبع .
وأول إحاطة هي بالقلب البشري ذاته ، منبع الخير في الإنسان إذا صلح ، ومنبع الشر فيه إن فسد:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب" (1) .
ويوجه الإسلام لهذا القلب جهده الأول والأكبر ، لينقيه ويصفيه ويربطه بالله جل شأنه من خيطي الخوف والرجاء:
( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) (2) .
والاسماء والصفات التي وردت في كتاب الله ، وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، نزلت لتربية هذا القلب وربطه بالله ، فهي تحيط بالقلب البشري في جميع أحواله وجميع تصرفاته . إن تَطَلَّعَ إلى شيء فكل شيء بيد الله . وإن خاف من شيء فكل شيء بيد الله . هو الرزاق . هو المهيمن . هو المدبر . هو الذي بيده مقاليد كل شيء . وهو الغفور الرحيم . وهو الجبار المتكبر . وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده . منه المنشأ وإليه المصير .
(1) متفق عليه .
(2) سورة الإسراء [ 57 ] .