إنها ليست مقصورة على العمارة المادية للأرض - وإن كانت تشملها - إنما هي على وجه التحديد: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني . وعندئذ فقط تصبح محققة لغاية الوجود البشري ، لأنها عندئذ تدخل في مفهوم العبادة الواسع الذي تشمله الآية الكريمة:
( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ ... ) (1) .
والمنهج الرباني هو هذا الدين !
( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ) (2) .
( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (3) .
ومن ثم فالدين هو الحضارة . . والحضارة هي الإسلام !
وهذا هو الذي فهمه المسلمون وهم يقيمون أروع حضارة في تاريخ البشرية . . الحضارة التي حررت"الإنسان"من العبودية لغير الله . من الجهل والخرافة . من الأنانية والتسلط . من العبودية للهوى والشهوات . من الظلم في جميع أشكاله: السياسية والإِقتصادية والاجتماعية . . ظلم النفس وظلم الآخرين . والتي حررت المرأة وحررت العبيد ، ورفعت الناس إلى المستوى اللائق بالإنسان .
وهي فوق ذلك التي حوت العلم النافع ، وظلت تعلمه للبشرية عدة قرون ، سواء في مجال العلوم الشرعية أو العلوم الدنيوية التي برعت فيها الأمة الإِسلامية يوم كانت تتمسك بدين الله .
المعيار إذن هو الدين ! هو الإسلام ! لأنه هو الذي يحدد غاية الوجود البشري ، ويحدد من ثم شكل النشاط الذي يحقق تلك الغاية على أحسن وجه . . وتلك هي الحضارة الحقة اللائقة بالإنسان . .
ما بال بعض"المسلمين"إذن يزوون وجوههم وقلوبهم وأفكارهم عن الحضارة الحقة والمعيار الحق ، ليتخذوا المعيار المختل الذي ابتليت به أوربا لظروفها الخاصة هناك ؟!
(1) سورة الأنعام [ 162 - 163 ] .
(2) سورة آل عمران [ 19 ] .
(3) سورة آل عمران [ 85 ] .