لقد خلق الله الإنسان ليكون هو المهيمن المسيطر المنشئ الباني المعمر في الأرض ، وعلم الله أن هذه المهمة تستلزم أن تكون في كيان الإنسان مجموعة من الدوافع القوية تدفعه للقيام بهذا النشاط ، حتى لا تقعد به العقبات عن القيام بمهمته: لا البحار ولا الأنهار ولا الجبال ولا البرد ولا الحر ولا الأمراض . . ولكن الله يعلم كذلك أن هذه الدوافع ( أو سَمِّها الشهوات ) مع لزومها له ، لا تصلح أن يستجيب لها الإنسان إلى آخر المدى لأنها عندئذ تدمره بدلا من أن تعينه على أداء مهمته ، فرسم للاستمتاع بها حدودًا معينة وقال: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) و ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) (1) . وجعل موضع الابتلاء هو هذا: هل يستجيب الإنسان للأمر الرباني ، فيلتزم في تناوله للمتاع بالحدود التي حددها الله ؟ أم يتجاوز الحدود رغبة منه في مزيد من المتاع ؟ وجعل ذلك كله هو"العبادة"التي خلقه من أجلها على سبيل الحصر ، المعبر عنه في الآية الكريمة بالنفي والاستثناء: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وهما أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية . ثم قدر سبحانه أنه من استجاب لهذه العبادة - بمعناها الواسع الشامل - فإن له الجنة خالدا فيها ، ومن اعرض وعصى واتبع هواه فإن له جهنم خالدا فيها .
تلك هي قصة الإنسان من مبدئه إلى منتهاه . . وهي التي تحدد له كل شيء في حياته منذ يبلغ سن التكليف إلى أن يلقى الله .
وهي التي تحدد له كذلك مفهوم"الحضارة"التي ينبغي أن يسعى إلى إقامتها .
(1) يلاحظ أنه حين تكون الشهوة عنيفة يرد قوله تعالى: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) [ سورة البقرة: 187] لأن القرب لا يؤمن معه الزلل أما الدوافع التي يؤمن الزلل فيها فيجيء في شأنها ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) [ سورة البقرة: 229 ] .