ثالثا: أن أوربا حين انفلتت من دينها الفاسد ، وانفلتت في الوقت ذاته من الضوابط التي تحفظ للإنسان إنسانيته ، واتبعت أهواءها . ثم أقامت على هذا الهوى"حضارة"أعجبتها لأنها تساير أهواءها ثم جعلتها هي الأصل الذي يقاس عليه كل شيء ، ثم قاست الدين على هذا الأصل المعتمد عندها فوجدته مخالفا للأصل المعتمد ، فنبذته ، وجعلت نبذه مقياسًا للتقدم والحضارة والرقي ! (1) .
رابعا: أن هذا كله خلل في التصور وخلل في السلوك أنشأته ظروف معينة في أوربا ، وليس قانونًا من قوانين الوجود البشري يسري على كل البشر بالضرورة !
ثم ننتقل بالحديث إلى الإسلام .
إن مفهوم"الحضارة"في الإسلام يختلف اختلافا بيّنا عن المفهوم الغربي ، وإن التقى معه إلتقاء عارضًا في ضرورة السعي إلى عمارة الأرض .
الحضارة في المفهوم الإسلامي هي النشاط الذي يقوم به الإنسان في شتى مجالات حياته ليحقق غاية وجوده .
ومن ثم ينبغي أن نعلم بادئ ذي بدء غاية الوجود البشري لنحدد بعد ذلك كنه"الحضارة"التي تناسب تلك الغاية وتحققها .
يقول شاعر جاهلي معاصر (2) :
جئت لا أعلم من أين ، ولكني أتيت !
ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت !
وهكذا انتهت حياته إلى"العبثية"لأنه جهل غاية وجوده . وهو يمثل في الحقيقة أزمة الجاهلية المعاصرة ، التي تقود تلك الجاهلية إلى الجنون كلما أوغلت في الطريق .
والإسلام يحدد تحديدًا واضحًا غاية الوجود البشري ، فيضع أمام الإنسان كل شيء في مكانه الصحيح: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (3) .
(1) يكرر"ألكسيس كاريل"في كتابه"الإنسان ذلك المجهول" ( سبقت الإشارة إليه ) أن الإنسان المعاصر قد صنع لنفسه حضارة خاطئة بدافع شهوته ، ولكنها لا تناسب تكوينه ، ولذلك فهي في طريقها للانهيار .
(2) هو الشاعر إيليا أبو ماضي .
(3) سورة الذاريات [ 56 ] .