الصفحة 75 من 114

ثالثا: أن أوربا حين انفلتت من دينها الفاسد ، وانفلتت في الوقت ذاته من الضوابط التي تحفظ للإنسان إنسانيته ، واتبعت أهواءها . ثم أقامت على هذا الهوى"حضارة"أعجبتها لأنها تساير أهواءها ثم جعلتها هي الأصل الذي يقاس عليه كل شيء ، ثم قاست الدين على هذا الأصل المعتمد عندها فوجدته مخالفا للأصل المعتمد ، فنبذته ، وجعلت نبذه مقياسًا للتقدم والحضارة والرقي ! (1) .

رابعا: أن هذا كله خلل في التصور وخلل في السلوك أنشأته ظروف معينة في أوربا ، وليس قانونًا من قوانين الوجود البشري يسري على كل البشر بالضرورة !

ثم ننتقل بالحديث إلى الإسلام .

إن مفهوم"الحضارة"في الإسلام يختلف اختلافا بيّنا عن المفهوم الغربي ، وإن التقى معه إلتقاء عارضًا في ضرورة السعي إلى عمارة الأرض .

الحضارة في المفهوم الإسلامي هي النشاط الذي يقوم به الإنسان في شتى مجالات حياته ليحقق غاية وجوده .

ومن ثم ينبغي أن نعلم بادئ ذي بدء غاية الوجود البشري لنحدد بعد ذلك كنه"الحضارة"التي تناسب تلك الغاية وتحققها .

يقول شاعر جاهلي معاصر (2) :

جئت لا أعلم من أين ، ولكني أتيت !

ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت !

وهكذا انتهت حياته إلى"العبثية"لأنه جهل غاية وجوده . وهو يمثل في الحقيقة أزمة الجاهلية المعاصرة ، التي تقود تلك الجاهلية إلى الجنون كلما أوغلت في الطريق .

والإسلام يحدد تحديدًا واضحًا غاية الوجود البشري ، فيضع أمام الإنسان كل شيء في مكانه الصحيح: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (3) .

(1) يكرر"ألكسيس كاريل"في كتابه"الإنسان ذلك المجهول" ( سبقت الإشارة إليه ) أن الإنسان المعاصر قد صنع لنفسه حضارة خاطئة بدافع شهوته ، ولكنها لا تناسب تكوينه ، ولذلك فهي في طريقها للانهيار .

(2) هو الشاعر إيليا أبو ماضي .

(3) سورة الذاريات [ 56 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت