الصفحة 73 من 114

وإن ألوان الجنون التي طغت اليوم على المجتمع الغربي: جنون الجنس ، وجنون الأزياء ، وجنون الزينة ، وجنون العري ، وجنون السينما ، وجنون التليفزيون ، وجنون الفيديو ، وجنون الكرة ، وغيرها من ألوان الجنون المخزية ، كلها ثمرة لقيام حضارة بلا دين . . إن كانت قد جاءت متأخرة عن بداية قيام هذه الحضارة ، فتلك سنّة طبيعية من سنن الله: التدرج في كل شيء . لا شيء يأتي فجأة في أحوال الناس في الأرض ( إلا العقاب الصاعق من عند الله حين يقدره سبحانه ) إنما يتم كل شيء بالتدريج ، ولكن على ذات الخط الذي يريده الناس لأنفسهم من البداية . فإن أرادوا الاستقامة على طريق الله يسّر الله لهم الطريق ، وإن أرادوا الانحراف زادهم مما يريدون !

ولا أحد يقول إن هذه الحضارة سوداء كلها بلا بياض ! وما كانت هناك قط جاهلية من جاهليات التاريخ سوداء كلها بلا بياض !

نعم ! فيها نقط بيضاء كثيرة متناثرة هنا وهناك ، فيها التقدم العلمي ، فيها التقدم التكنولوجي الذي أزاح عن كاهل الإنسان أعباء كثيرة وحمّلها للآلة . فيها الجلد على العمل والصبر والمثابرة . فيها عبقرية التنظيم . فيها الروح العلمية والعملية في تناول المشكلات . فيها"أخلاقيات"نفعية ، نعم ، ولكنها تجعل التعامل اليومي بين الناس بعضهم وبعض مريحا سهلا خاليا من التعقيد . .

كلها نقط بيضاء في هذه الجاهلية ، ولكنها لا ترفع عنها صفة الجاهلية لأنها لا تعرف الله حق معرفته ، ولا تعبده حق عبادته (1) . ثم إنها لن تنقذها من الدمار - في موعده المقدر عند الله - لأنه سنّة حتمية من سنن الله ، تصيب الذين يصرون على تنكب طريقه . . إلا أن يغيّروا ما بأنفسهم فيغير الله لهم:

(1) هذا هو المعنى القرآني للجاهلية كما وردت في مواضع متعددة في القرآن الكريم: الجهل بحقيقة الألوهية ، وعدم اتباع ما أنزل الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت