الصفحة 72 من 114

إن الاستعمار بكل جرائمه وبشاعاته هو ثمرة طبيعية لقيام حضارة جاهلية بلا دين . إنه ليس انحرافا عارضا كان يمكن لهذه الحضارة أن تتجنبه لتحسين سمعتها كما يتوهم بعض المفتونين بهذه الحضارة . إنه نتاج أصيل لها . فحيثما ملك الإنسان القوة ولم يكن يؤمن بالله ورسله ورسالاته فهذا ديدنه خلال التاريخ كله . . يطغى . لأن السلطة تُطْغِي إن لم تردعها وتضبطها مخافة الله وتقواه . ولقد بررت أوربا استعباد الأمم الضعيفة وامتصاص دمائها على نفس النحو الذي كانت الإمبراطورية الرومانية تبرر لنفسها ذلك الامر . . تشابهت قلوبهم ! والسبب دائما واحد . . قوة لا يصحبها دين . وضع إن شئت مقارنة سريعة بين حركة التوسع الإسلامي في الأرض ، وحركة التوسع الروماني في القديم والتوسع الغربي في الحديث ليتبين لك الفرق . التوسع الإسلامي كان يحرر المستعبدين في الأرض كما قال ربعي بن عامر في عبارته البليغة البارعة التي رد فيها على رستم قائد الفرس حين سأله: ما الذي جاء بكم إلى بلادنا ؟ قال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة . بينما التوسع الروماني في القديم والتوسع الغربي في الحديث يستعبد الأحرار:

( الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ) (1) .

وإن الفساد الخلقي ، وما تبعه من انتشار الخمر والمخدرات والشذوذ والجريمة ، هو ثمرة طبيعية لقيام حضارة جاهلية بلا دين ، إنه ليس انحرافا عارضا كان يمكن لهذه الحضارة أن تتجنبه لوقاية نفسها من الدمار ، كما يتوهم المعجبين بها ، الخائفين عليها ! إنما هو نتاج أصيل لها . فحيثما وجدت فرص متاحة للمتاع دون ضابط من دين ينظم ذلك المتاع ، كانت النتيجة واحدة . . الإغراق في الشهوات ، ثم الانحراف .

(1) سورة النساء [ 76 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت