وحيث سبق ذلك في علم الله ، وفي حكمته ، وسبق في علمه كذلك وحكمته أنه سينزل رسالته الخاتمة على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ولن يرسل رسولا بعده ، وسيكلف البشر بإقامة تلك الشريعة - بعد كمالها (1) - إلى آخر الزمان ، فقد اقتضت حكمته سبحانه أن ينزل في تلك الأمور المتغيرة أصولا ثابتة تتسع للصور المتغيرة وتضبط حركتها في الوقت ذاته .
تتغير الصور السياسية ، بتغير حجم الدولة وطريقة إدارتها ، وتغير وضع الفرد من كونه فردا في قبيلة إلى كونه فردا في أمة ، وتغير مدى استقلاله بفرديته وممارسة حياتها من خلالها ، واعتبارات أخرى جمة متشابكة ، فتتغير بذلك صورة الحكم وتنظيماته ولكن لا تتغير الأصول الثابتة التي تحكم"السياسة الشرعية": تحكيم شريعة الله ، والبيعة ، والشورى ، والسمع والطاعة من الرعية لولي الأمر في حدود طاعة ولي الأمر لله ورسوله ، والنصح من الرعية لولي الأمر عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما تحدده الآيات القرآنية والأحاديث النبوية:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (2) .
"الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (3) .
(1) قال تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ) [ سورة المائدة:3]
(2) سورة النساء [ 59 ] .
(3) أخرجه مسلم .