ومن فضل الله على العباد أنه يدخل الناس الجنة لا على قدر أموالهم ، ولا قدر وظائفهم في الحياة الدنيا ، وإنما على قدر ما يتعبدونه بالطاعات والإخبات .
تلك أمور ثبتت الشريعة أحكامها ولم تجعلها قابلة للتغيير ، ولا يدخل تحتها كذلك متغيرات ، لأن التغيير فيها يحدث من المفاسد ما نرى بعض آثاره في واقع العالم المعاصر ، مما هو مشهود ومشهور .
ولكن هناك أمورا أخرى - كثيرة - يعلم الله أنها تتغير ، ولا يريد الله لها أن تجمد على حالة معينة ، هي حالتها وقت نزول هذه الشريعة المباركة .
ولم يكن غائبا عن علم الله وحكمته - كما يتصور المجادلون بوعي منهم أو بغير وعي - أن حركة الإنسان في الأرض ، واحتكاكه الدائم بالكون المادي ، وسعيه إلى تسخير طاقاته ، وسعيه إلى تصنيع خاماته ، وتحسين أدواته ، وتجميل وسائل حياته ، سيقوده إلى إحداث تغييرات مستمرة في صور حياته: السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
والله هو الذي خلق الإنسان ، وأودع فيه ما أودع من طاقات ونزعات ، وهيأه بذلك لعمارة الأرض والقيام بدور الخلافة فيها:
( هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) (1) .
ويريد الله للإنسان أن تكون حياته مثمرة نامية مباركة:
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (2) .
( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) (3) .
(1) سورة هود [ 61 ] .
(2) سورة الملك [ 16 ] .
(3) سورة فصلت [ 10 ] .