الصفحة 54 من 114

ولذلك ظلت أوربا - حتى أيام تدينها - تنظر إلى الشريعة على أنها أخلاقيات ، ولا تنظر إليها على انها أحكام واجبة التنفيذ . فلما بدأت نهضتها المعادية للدين أو المفارقة له ، خف وزن الشريعة في حسها بصورة متزايدة . . حتى إذا جاءت لوثة التطور زال من حسهم نهائيا كل توقير للشريعة ، وتجرءوا على نقدها والتنديد بها على أنها من التراث"الرجعي"الذي ينبغي للتطور أن يزيله ويستبدل به شيئا"حديثا"، يعتبر من أجل حداثته قبل كل شئ آخر ، سواءً كان مستحقا للاعتبار في ذاته أم غير مستحق ! وكان الشئ"الحديث"الذي ابتليت به أوربا هو"علم التحليل النفسي" (1) أو - في الحقيقة"علم تبرير الجريمة"، والنظر إلى المجرم على أنه مجنى عليه ، لا يستحق أن يوقع عليه العقاب .

ولا نناقش هنا مفهوم الغرب عن الجريمة والعقاب (2) ، فنحن معنيون في هذا المبحث - كما أسلفنا - بنقطة واحدة معينة هي قضية التطور . فنقول فقط إن أوربا حين وضعت قضية الجريمة والعقاب على الخط المتغير ، وأفتت لنفسها بوجوب تغيير أحكام الشريعة الربانية في هذا الشأن ، واتخاذ قوانين بشرية بدلا منها (3)

(1) مؤسسة هوفرويد ، وهو يهودي . ومن أخطر ما يؤدي إليه التحليل النفسي على طريقة فرويد إسقاط مسئولية الإنسان عن أعماله على أساس أنها ردود فعل قهرية لحالات مرضية وعقد نفسية ، وهو مبدأ مدمر للأخلاق كما هو ظاهر .

(2) سنتعرض لهذه القضية بشيء من التفصيل في المبحث القادم .

(3) لم تطبق الشريعة تطبيقًا واقعيًا في أوربا كما أسلفنا ، ولكن كان لها مع ذلك توقير"أدبي"في حس الناس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت