الصفحة 49 من 114

ليس المجال هنا أن نتكلم عن مزايا الشريعة الإسلامية في عمومها ، وعن شمولها للحياة من جميع أطرافها في توازن وتكامل واتساق . فلهذا مجال آخر . إنما نحن معنيون هنا بنقطة واحدة معينة هي قضية"التطور"في صور الحياة"وثبات"الشريعة . وقضية: كيف يتأتى للشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا أن تواكب ما جدّ في حياة الناس من تغيرات .

ولا يفوتنا قبل أن نناقش القضية أن نعرض لأحد الجوانب العقدية في القضية كثيرا ما يغفله الناس في البحث وهو يستحق التنويه .

إن الذين يتساءلون هذا التساؤل هم في الحقيقة - بوعي منهم أو بغير وعي - ينكرون صفة من صفات الله على الأقل - إن لم يكونوا منكرين لأكثر من صفة في واقع الأمر - تلك هي صفة العلم . فكأنهم يتصورون أن الله لم يكن يعلم حين أنزل هذه الشريعة أن امورًا ستجدّ في حياة الناس تختلف عن الأوضاع التي كانوا عليها يوم نزلت هذه الشريعة ! كما أنهم ينفون في الواقع صفة الحكمة ، إذ يتصورون أن الله أنزل شريعة لا يمكن تطبيقها إلا في حيّز معين من الزمن ثم ألزم الناس بها إلى يوم القيامة !! والله عليم حكيم كما وصف نفسه سبحانه وتعالى ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

والآن نعود إلى التعرف على الأداة التي جعل الله بها هذه الشريعة صالحة للتطبيق إلى يوم القيامة ، وجعلها تتسع لتستوعب كل ما يجدّ في حياة الناس على هذه الأرض .

نقول بادئ ذي بدء إن هناك أمورا ثابتة في حياة الناس يجب أن تظل ثابتة . وقد ثبتتها هذه الشريعة ومنعت إحداث أي تغيير فيها ، لأن أي تغيير فيها تنتج عنه اختلالات في حياة البشرية ، وقد سبق في علم الله العليم الحكيم أن الثبات هو الأمر الواجب في تلك الأمور ، فأنزل أمره المحكم بعدم التغيير .

والسبب في ثبات هذه الأمور ، وفي وجوب تثبيت الأحكام الخاصة بها ، أنها متعلقة بحقائق ثابتة لا تقبل التغيير ، وإن غُيِّرَتْ تفسد الأمور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت