ومن خلال حركة الإنسان في الأرض ، واحتكاكه بالكون المادي ، ومحاولة تسخير طاقاته . . تتغير الحياة جيلا بعد جيل ، وعصرا بعد عصر . فإن ألغينا من اعتبارنا هذا التغير في الصورة ، فإننا نلغي معه هدفا رئيسيا من أهداف الوجود البشري ، وتختل بين أيدينا المعايير . وكيف نصنع إذن في هذه القضية ، التي لا نستطيع فيها إهمال الثوابت ولا إهمال المتغيرات ؟
لقد كان خطأ الفكر الكنسي هو التركيز على الثابت وحده ، وإهمال المتغيرات وعدم إعطائها أي اعتبار .
وكان خطأ الفكر"التطوري"المنبثق عن الداروينية بصفة خاصة ، هو التركيز على المتغير وحده ، وإهمال القيم الثابتة وعدم إعطائها أي اعتبار . والصواب ألا نهمل هذه ولا تلك ، لأن كلا منهما له آثاره الواضحة في حياة الإنسان .
ولكن السؤال الذي يحدد القضية - وهو مفتاحها كذلك - هو: من الذي يحكم الآخر ؟ المتغير يحكم الثابت ؟ أم الثابت يحكم المتغير ؟! الجوهر يحكم الصورة ، أم الصورة تحكم الجوهر ؟
إن قلنا إن المتغير يحكم الثابت - كم يقول أصحاب الفكر التطوري - فقد ضاع منا المحور الذي تدور حوله الصورة . . ومن ثم تفقد الصورة معيارها الذي يضبط حركتها ، ثم تفقد معناها في نهاية المطاف !
أما إذا قلنا إن الثابت يحكم المتغير فلن يضيع منا شيء ، لا الثابت ولا المتغير ! إنما فقط تنضبط حركة التغير ، فلا تخرج عن مسارها الصحيح .
وهذا هو الحق الذي خلقت به السموات والأرض . . وخلق به الإنسان:
( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (1) .
وهذا هو الذي نزلت به الشريعة الإسلامية لتحكم الحياة البشرية إلى آخر الزمان !
(1) سورة الجاثية [ 22 ] .