كان من بين الأسباب التي أدت إلى الهزة العنيفة التي أحدثتها فكرة التطور في الحياة الأوربية أن الفكر الكنسي السائد في أوربا في العصور الوسطى (1) كان يتصور الثبات المطلق في كل شيء ، وينادي بالثبات الدائم في كل شيء ، فجاءت فكرة التطور مصادمة تمامًا لذلك الفكر ، بحيث بدا ألاّ سبيل للقاء بينهما ، وأنه لا مناص من أن يترك أحدهما مكانه للآخر بكامله ، فإما الثبات الكامل في كل شيء ، وإما التطور الكامل في كل شيء ، ولا طريق ثالث ! ولما كان النفوذ الكنسي - الذي يتبنى فكرة الثبات - كان قد أخذ ينهار رويدًا رويدًا منذ القرن السادس عشر الميلادي ، منذ قامت"النهضة"على أسس معادية للدين أو معارضة له ، وكان النفوذ العلمي والعلماني - الذي تبنى فكرة التطور - قد أخذ يتزايد في الحياة الأوربية باستمرار ، فقد كان الظاهر من مجرى الحوادث أن فكرة الثبات المطلق في كل شيء هي التي عليها أن تغادر الساحة - مهزومة - لتخلي مكانها لفكرة التطور المطلق في كل شيء ، سواء كان مما يقبل التطور فعلًا أو كان غير قابل للتغيير !
ولا شك أن الفكر الكنسي لم يكن خاطئًا كله ، وإن لم يكن على صواب في كثير من الأمور .
(1) تسمي أوربا عصورها الوسطى"العصور الوسطى المظلمة"وهي على حق كامل في هذا الوصف ، ولكنها كانت مظلمة في أوربا وحدها ، بينما كانت الفترة ذاتها من أزهى عصور العلم والعرفان واليقين في العالم الإسلامي . وتنسب أوربا ظلام عصورها الوسطى إلى"الدين"وهي صادقة في هذا بالنسبة لدينها المحرف لا بالنسبة للدين في ذاته كما يرى المخدوعون بالغزو الفكري ، فقد كان"الدين"هو مصدر النور بالنسبة للمسلمين في ذات الفترة .