الصفحة 19 من 114

وبقى المؤمنون ينكرون ذلك كله بقلوبهم ، وقد عجزوا عن إنكاره بأيديهم ويئسوا من إنكاره بألسنتهم ، ولكن حتى هذا القدر الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه"أضعف الإيمان""وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"لم يكن مأمونا عند القائمين بالغزو الصليبي ، فقد يشتد يوما حتى يصبح"جهادا"حقيقيا كاسحا هو أشد ما يرهبونه من هذا الدين . ومن ثم سعى الغزو الفكري إلى تثبيت تلك الأوضاع على أنها هي الأصل الذي ينبغي أنْ يتبع ، وأن العدول عنه - بالعودة إلى تحكيم شريعة الله - هو الرجعية التي ينبغي أن يبرأ منها المتحضرون .

واستعين على ذلك بكل وسائل الإعلام المتاحة من كتاب وصحيفة وقصة ومسرح وسينما وإذاعة ( وتليفزيون فيما بعد ) كما استعين بمناهج التعليم التي تصور الإسلام وشريعته جمودا وتأخرا ورجعية ، وتصور الأوضاع القائمة في أوربا - بجميع جوانبها ومجالاتها - على أنها هي الحضارة والرفعة والتقدم ، وتخرج أجيالا وراء أجيال تعرف شيئا عن أوربا (1) ، ولا تعرف عن الإسلام إلا ما يلقى في روعها من الشبهات !

واستعين فوق ذلك بالفكر الإرجائي الذي يقول إن الإيمان هو التصديق والإقرار ، وليس العمل داخلا في مسمى الإيمان . كما استعين"بعلماء"من علماء الدين ليؤكدوا هذه المعاني الإرجائية في نفوس الناس ، بعضهم"طيبون"، تستغل طيبتهم دون وعى منهم ، وبعضهم"محترفون"يضللون الناس على علم .

يا حسرة على العباد !

(1) لم يكن لديهم معرفة حقيقية عن أوربا ، فقد كان في الحضارة الغربية إيجابيات - رغم انحرافاتها الجوهرية - ولم يكن مقصودًا تعليم المسلمين إيجابيات أوربا ، ولا كيف يتخذونها من أجل نهضتهم ، إنما كان المقصود تعريفهم - جيدًا - بالانحلال الخلقي والإلحاد ، ليأكل في جسد الأمة الإسلامية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت