والذي يقوله الفقهاء عن الحكم بغير ما أنزل الله صحيح ولا شك . فليس كل من لم يحكم بما أنزل الله يعتبر كافرًا . فقد يكون متأولا . وقد يكون جاهلا بحكم في قضية بعينها . وقد يكون مدفوعا بشهوة معينة كالقاضي المرتشي الذي يخالف حكم الله في القضية المعروضة عليه بتأثير الرشوة وهو عالم بما يفعل ، فيكون عاصيا فاسقا ولا يكفر .
فكيف اعتبر مؤمنا وهو لم يحكم بما أنزل الله . . ؟
السبب أنه - مع مخالفته لحكم الله - لم يجعل مخالفته شرعا يحكّمه بدلا من شرع الله ، ولم يقل إن حكمه هذا بديل يضاهى حكم الله أو يفضّل على حكم الله . إنما موقفه كالسارق والزاني يخالف في العمل ، ولكنه لا يغيّر في الشرع المنزل ، ولا يضع بديلا من عند نفسه لشرع الله .
أما حين يشرع بغير ما أنزل الله فالأمر مختلف تمام الاختلاف . . فهو عندئذ يضع من عند نفسه تشريعا يحل فيه ويحرم بغير ما أنزل الله ، ثم يضاهي به شرع الله ، أو يفضّله على شرع الله . وذلك - بإجماع الفقهاء - شرك أكبر مخرج من الملة ، لأنه يتعارض مع الإقرار بما جاء من عند الله ، وهو المقتضى المباشر - بل المعنى المباشر - للا إله إلا الله . .
كيف نزعم لأنفسنا أننا آمنا بأنه لا إله إلا الله - أي لا معبود إلا الله ، ولا حاكم إلا الله - إذا كنا نقول - بلسان الحال أو بلسان المقال - إنك يا رب قد قلت إن الربا حرام ، أما نحن فنقول إنه مدار الحياة الاقتصادية المعاصرة ، لا يقوم الاقتصاد إلا به (1)
(1) الذين يقولون هذا هم المرابون اليهود ، ومن عميت قلوبهم من"الأمميين"، أما المستبصرون من الأمميين أنفسهم فيقولون إن النتيجة الحتمية للربا هي تكدس الثروة في يد فئة قليلة من الناس تزداد قلة بمرور الزمن ، وازدياد الفقر في فئة كبيرة من الناس يتزايد عددها على الدوام: انظر إن شئت تقرير المستشار الألماني"شاخت"عن الربا .