وكذلك كان حال الأمة مع أعدائها يوم كانت قائمة بالشرط . . كانت ممكّنة في الأرض . وكانت هي الغالبة وهي المستعلية . وكان كيد الأعداء مردودًا إلى نحورهم كما ارتد أيام الحروب الصليبية الأولى (1) ، وأيام حروب التتار ، وغيرهم وغيرهم من الأعداء .
فإن قلنا اليوم إن الكيد شديد ، فهذه حقيقة ، ولكنها حقيقة لا تعفي الأمة من مسئوليتها أمام الله ، يوم يكون الإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره .
تحدثنا عن الوجه الأول من القضية . ومعرفته ضرورية لنا ، لنتعرف على طريق الخلاص . فإن الطبيب إذا لم يتعرف على حقيقة الداء ، والأسباب التي أدت إليه ، فلن يصف الدواء الحقيقي الذي يؤدي - بإذن الله - إلى الشفاء .
أما الوجه الثاني فهو الرد على هذا السؤال: أحقًا لا نستطيع شيئًا إزاء كيد الأعداء ؟!
إن أحدًا من الجادين لا يقول ذلك . وإن اختلفت درجات الجد وزوايا الرؤية ومناهج العاملين .
إننا في الحقيقة نملك الكثير . . إذا عزمنا العزمة الصادقة ، واتجهنا الاتجاه الصحيح . أي إذا عزمنا عزمة صادقة أن نعود إلى حقيقة ديننا ونتحمل التكاليف .
إنه لا بد من جهاد . .
وكل طريق غيره لا يؤدي إلى شيء . .
والذين يتهيبون الطريق يقدمون بدائل يحسبونها تؤدي إلى الخلاص وتعفيهم في ذات الوقت من الجهاد .
وعند التحليل الواقعي تنكشف هذه البدائل عن أوهام . .
يقولون: نبني اقتصادياتنا على أسس متينة ، فكل شيء في عالم اليوم مبني على الاقتصاد .
ونقول: مرحبًا ببناء اقتصادياتنا على أسس متينة ، فذلك أمر لا غنى عنه في أي حال من الأحوال .
ولكن الوهم يقع عند الظن بأن هذا الطريق سيوصلنا - وحده - ويعفينا من الجهاد .
(1) تميزًا لها عن الحروب الصليبية الثانية ، التي تدور منذ قرنين أو ثلاثة وما تزال دائرة .