إنهم لن يكفوا عن الكيد أبدًا ما دامت الأمة المسلمة قائمة ، وما دامت هناك فرصة للنيل منها . . ولكن هناك أداة ربانية ترد كيدهم في نحورهم ، فلا يضر الأمة بشيء: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (1) .
فما تلك الأداة الربانية التي ترد الكيد فيتراجع خاسئًا وهو حسير ؟ أهي تعويذة تتلى أو تميمة تعلق على الصدر ؟ كلا ! إنها عمل إيجابي ضخم تلخصه هاتان الكلمتان: تصبروا . . وتتقوا .
وحين انحرف فهم المسلمين لكل مفاهيم الإسلام ، انحرف في حسهم كذلك مفهوم الصبر والتقوى ، فتحولا إلى سلبية ليس فيها غناء .
ولنعد إلى سياق الآيات لنفهم المقصود بهاتين الكلمتين العظيمتين .
إن الأعداء يريدون أن يُجْلُوا المسلمين عن دينهم ، ويردوهم من بعد إيمانهم كفارًا . . فما الصبر المطلوب إذًا ؟
إنه الصبر على تكاليف هذا الدين . والصبر في مواجهة الأعداء . وثبات المسلمين على دينهم مهما فعل الأعداء لإجلائهم عنه . .
وما التقوى ؟ إنها تقوى الله . أي اتقاء غضب الله وسخطه . فبأي شيء يتقى غضب الله وسخطه ؟ هل من سبيل إلى ذلك إلا طاعته فيما أمر به والانتهاء عما نهى عنه ؟!
هذا هو الصبر وهذه هي التقوى اللذان يصدان الكيد فلا يضر . وهما كما نرى قوتان إيجابيتان هائلتان ، متينتان كالحصن ، لا يجد الأعداء عندهما ثغرة للنفاذ إلى الأمة وإلحاق الضرر بها . والضرر المقصود هنا ليس هو الأذى الذي يصيب الأفراد ، إنما هو الضرر الذي يلحق بالدين ، الذي هو عماد هذه الأمة وكيانها الحقيقي . أما الأذى فهو يقع ، ولكنه لا يؤثر في كيان الأمة ، ولا يحولها عن طريقها: ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) (2) .
(1) سورة آل عمران [ 120 ] .
(2) سورة آل عمران [ 111 ] .