الصفحة 144 من 194

إن الإنسان في حالته الطبيعية دائم التقلب بين نزعاته المختلفة ، وهذا من الإعجاز في خلقه فقد خلقه الله متعدد الجوانب ، ليقوم بمهمة الخلافة في الأرض ، والإنشاء والتعمير فيها ، وهي مهمة ذات مجالات مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وخلقية وفنية وعملية وتقنية .. ولو لم يكن الإنسان متعدد الجوانب لعجزه عن القيام بالمهمة الملقاة على عاتقه . ولكن الله لا يكلف نفسا إلا في حدود وسعها ، وقد زود سبحانه الإنسان بكل الأدوات اللازمة له ، ومن بينها تعدد النزعات ، وتعدد الجوانب ، وسهولة الانتقال - أو الانزلاق (1) ! - من جانب إلى جانب ، ومن وضع إلى وضع ، ومن مجال إلى مجال .

ويحدث أحيانا - كما قلنا - أن تتعارض في نفسه بعض الجوانب وبعض النزعات ، إما لتدافعها في وقت واحد - وكلٌّ منها يريد الساحة خالصة له - وإما لزيادة عارضة أو دائمة في جرعة من الجرعات .

فأما التدافع العارض ، وأما الزيادة العارضة في الجرعة ، فسرعان ما تعود إلى وضعها السوي ، فقد زود الله الإنسان بجهاز ضابط ، يحقق الاتزان النفسي في الحالة السوية ، وهو من المزايا التي أكسبتها النفخة العلوية من روح الله لقبضة الطين .

أما التدافع الدائم الذي يوقع الحيرة والاضطراب والتردد وعدم الاستقرار ، أو الجنوح الدائم إلى جانب واحد على حساب الجانب المقابل (2) فهو مرض نفسي يخرج من دائرة حديثنا هنا ، فكلامنا كله متعلق بالفطرة السوية ومكان النوازع المختلفة منها .

(1) لانقصد الانزلاق بمعنى الهبوط من أعلى إلى أسفل وإنما نقصد الانتقال السهل من حالة إلى حالة بما يشبه"التزلج"على الجليد !

(2) اقرأ إن شئت فصل"خطوط متقابلة"وفصل"الانحراف والشذوذ"من كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت