فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 28

وعلى العامل لدينه، المهتم بشؤون أمته، المتلمظ على واقعه، أن يوطن نفسه على احتمال المكاره دون سآمة أو ملل، وانتظار النتائج بدون استعجال مهما بعدت وتطلع للفرج مهما استحكمت الكرب، ومواجهة الشدائد مهما ثقلت، بقلب لم تلزق به ريبة، وعقل لا تطيش به كربة، يظل دائمًا ثابت الجأش، واثقًا بالثبات، لا يرتاع لمزن يحلق في السماء، ولا لعواصف هوجاء تهز المبادئ والقيم.

وعلينا أن نعمق النظر في تفكيرنا، والاتزان في طرحنا، ولا تسيطر علينا الحسابات المادية، ولا القوى البشرية، ولا تعظيم المخترعات العصرية، والمستجدات الحديثة، فقوة الله فوق كل قوة، ولا يضرنا كثرة عدد عدونا، وقلة عددنا، فقد جاء القرآن ليكرس في عقيدتنا أن النصر ليس هو بكثرة العدد والعدة، ولا القوة والشجاعة فكثيرًا ما يضيف الله تعالى النصر إلى نفسه. قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} ، {إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} وغير ذلك من الآيات القرآنية، التي تبين أن النصر ليس منوطًا بالقوات العسكرية، ولا الطاقات البشرية، ولكنه مدٌ من الله تعالى يبعثه إذا شاء، ويصرفه كيف يشاء حكمة منه وعدلًا، والله عزيز حكيم.

والقلة المؤمنة تنتصر على الكثيرة الكافرة، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} فقد نصر الله تعالى أصحاب طالوت وكانوا قلة على عدوهم أصحاب جالوت وهم أكثر عددًا. قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} أي بنصره.

وقد ينتصر المسلمون بلا سلاح كما نصر الله تعالى نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يوم الغار بلا جيش ولا سلاح. قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

ونصر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه يوم بدر بالملائكة. قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

ونصر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وحزبه المؤمنين يوم الأحزاب بالريح والجنود، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} وغير ذلك من نصر الله لجنده، وحزبه بعوامل النصر الكثيرة.

والنصوص الشرعية جاءت لتبين أن المستقبل للإسلام، وأنه سوف يضرب بعطن وتمتد رقعته، ويتسع نفوذه، ويحكم أرجاء المعمورة، ويلج كل ما طلعت عليه الشمس وأظلم عليه الليل، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر، ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل. عزًا يُعز الله به الإسلام، وذلًا يُذل الله به الكفر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت