الصفحة 58 من 59

فإذا أضفنا إلى ذلك كيد الأعداء بكل أنواعه، سواء جهود العلمانيين في مقاومة التيار الإسلامي وتشويه صورته وتنفير الناس منه، أو ملاحقة الحركات الإسلامية داخل العالم الإسلامي بالسجن والتشريد والتعذيب والقتل، أو الكيد العالمي، الصليبي الصهيوني الوثني ضد الإسلام والمسلمين، فقد زادت الشقة بعدا وزادت المشقة على الدعاة ..

ومع ذلك كله فالمستقبل للإسلام ..

المستقبل للإسلام لأن هذه إرادة الله، والله هو الذي يقرر، وهو الذي يقدّر، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون:

(سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [1]

لقد غفا المسلمون قرنين أو ثلاثة .. واستغل الأعداء هذه الغفوة الطويلة فجاسوا خلال الديار، ومزقوا العالم الإسلامي شر ممزق، ودفعوه إلى التيه، وإلى الضياع ..

ولو كان في قدر الله أن ينتهي الإسلام من الأرض فقد كانت الفرصة مواتية للأعداء، وهم في أوج قوتهم، والمسلمون في حضيض ضعفهم.

ولكن الله البرّ الرحيم لم يشأ ذلك، وإنما بعث للناس من يجدد لهم أمر دينهم كما وعد سبحانه، فكانت تلك الصحوة المباركة التي بدأت توقظ الناس.

وفي الوقت ذاته بدأ الغرب طريقه إلى الانهيار، حسب السنة الربانية التي لا تتبدل ولا تتحول ..

بدأ ينهار لأن حضارته غير الإنسانية قد فقدت مبررات وجودها فضلا عن استمرارها.

"الحضارة"التي ترتكب كل هذه الخسة الجماعية في البوسنة والهرسك دون أن يهتز ضميرها بخالجة من حياء .. الحضارة التي لا يتحرك ضميرها لردع أي معتد يعتدي على المسلمين، بل تشجعه إما بالسكوت على جرائمه وإما بإمداده سرا وعلانية بالمال والسلاح، في الوقت الذي يفور غضبها ويحتدم لا نقول إذا اعتدى المسلمون، بل إذا تمكنوا من رد العدوان! .. الحضارة التي تبيح الفاحشة حتى تصبح أصلا من أصول الحياة، ثم تبيح الفاحشة الشاذة وتمنحها"الشرعية!".. ثم تسكت على زنا المحارم، أقذر ما يمكن أن يرتكبه بشر .. الحضارة التي تبيح التهجم على كل المقدسات حتى ذات الله سبحانه، فضلا عن رسله ورسالاته وكتبه ودينه بحجة"حرية الفكر"! الحضارة التي تُعبِّد الإنسان لشهواته، وتعبّده للمادة، وتعبّده للآلة، وترفض في الوقت ذاته أن تعبّده لإلهه، بحجة"حرية العبادة!"أو"حرية الضمير!".. الحضارة التي تجعل بياض البشرة"قيمة"من القيم، في الوقت الذي لا تعتبر بياض القلوب والمشاعر أمرًا له وزن في حياة الناس ..

هذه الحضارة لا تملك مؤهلات الوجود فضلا عن الاستمرار، ولو ملكت كل أسلحة الدمار، وكل أسلحة العلم، وكل فنون التقدم المادي .. فكل هذه لا تعيش بغير القيم الربانية إلا ريثما يحين قدرها المقدر عند الله.

(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) [2]

نعم .. ولكن ..

هل الحركات الإسلامية القائمة في الأرض اليوم مؤهلة لأن تقوم برسالتها العظمى تجاه نفسها وتجاه البشرية؟

هل تمكنت من تربية القاعدة المطلوبة على المستوى المطلوب؟

هل تآلفت قلوبها واجتمعت كلمتها؟

هل تجردت لله حتى نسيت ذاتها؟

هل اكتسبت من البصيرة السياسية والحركية ما يمكنها من السير في الطريق الوعر الذي يحيط به الأعداء من كل جانب، متربصين كالوحوش الكاسرة التي تنتظر الفريسة؟

هل اتضحت لها أهدافها، ورتبت أولوياتها، وعرفت حدود طاقتها، فتحركت في حدودها؟

أم ما زال ينقصها الكثير حتى تصبح على المستوى المطلوب؟

(1) سورة مريم [35] .

(2) سورة الكهف [59] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت